ومن المحتمل أنه أتيحت لابن حجّة فرصة للتعرف بالأمير شيخ المحمودي خلال حصار حماة عام 812هـ (1410م) [1] ، ومن المفترض أنه انتقل بعد فترة مثل ابن البارزي إلى دمشق وأمسى من مقربي الأمير شيخ.
فالتحق ابن حجّة بمعية السلطان الملك المؤيد شيخ، وما لبث أن صار منشئا في ديوان الإنشاء الشريف بالقاهرة، كما يشهد به تقليد محمد ابن البارزي بصحابة دواوين الأنشاء المؤرخ في 13شوال 815هـ (17/ 1/ 1413م) [2] من إنشائه. وليس من قبيل الصدفة أن ابن حجّة بدأ كتابه بهذا التقليد، بل كان هذا متعمّدا ولأسباب شخصية، إذ قال السخاوي [3] بأن الذي لفت انتباه السلطان إلى ابن حجّة هو محمد ابن البارزي، فأمسى أحد منشئي الديوان، فربما كان من قصد ابن حجّة أن يومئ بهذه الصورة إلى أنه مدين لابن البارزي بوظيفته التي بدأ بممارستها مع شفيعه هذا في وقت واحد تقريبا.
ولا شك في أنه كان مؤهّلا لوظيفة المنشئ، إذ كان شاعرا ذا معرفة جيدة بآثار الشعراء الأسلاف [4] ، وصاحب خبرة تامّة في خدمة ديوان الإنشاء. وقد حصل عليها في أيامه الحموية. كما أنه استوعب دساتير كل من ابن فضل الله العمري والشهاب محمود ابن فهد الموصلي وابن ناظر الجيش وابن نباتة، ولا ينفي أنه درس أيضا رسائل القاضي الفاضل وابن العميد [5] وقد أشار اليهما في كتابه قهوة الإنشاء أكثر من مرة،
(1) في شعبان وذي الحجة عام 812هـ (ديسمبر 1409وأبريل 1410م) «السلوك» للمقريزي ج 4ص 117، 119، 129126وذكر السخاوي أن المقريزي التقى بابن حجّة للمرة الأولى في صفر 812هـ (15/ 146/ 7/ 1409م) في دمشق، وهو ما يدل على أن ابن حجّة سافر إلى دمشق أكثر من مرة. وقد غادر الأمير شيخ دمشق آنئذ ليخلي المدينة لسلطان فرج المتقدم في ( «السلوك» للمقريزي ج 4ص 95وما بعدها) .
(2) وأنشأ محمد ابن البازري وهو منشئ في الديوان الذي كان صاحبه فتح الدين فتح الله عهد السلطان المؤيد شيخ (راجع نصه في «صبح الأعشى» للقلقشندي ج 10ص 120وما بعدها) .
(3) «الضوء اللامع» للسخاوي ج 11ص 54.
(4) يبدو أنه كان يعتبر ابن نباتة دائما أستاذا له، لأنه لم يكتف بذكر اسمه كاملا فقط، بل أشار إليه بالصفة «النباتي» وبإشارة إلى آثاره مستعملا الصفات المشتقة من عناوينها مثل «المطوق» (إشارة إلى سجع المطوق) ، و «المنثور» (إشارة إلى «زهر المنثور» ، مثلا في مقدمته لما أشار إليه برياض المنثور) واستعمل إيماءات مماثلة مشيرا إلى آثار أئمة فن الإنشاء والمراسلة.
(5) نذكر هنا أسماء الذين ذكرهم ابن حجّة في منشآته فقط، وتشهد معارضاته بالمعرفة الجيدة بمصنفات كبار المنشئين.