وتجد في تعبير الفارسى ما يدل على أنه استقرأ الجزئيات، ثم عرف الخصائص المشتركة فيها ثم حكم، وهذا شأن المنطقى فيما يصدر من أحكام:
يقول: «وقد تأملت هذه الأسماء المبهمة أعنى الذى ومن وما فوجدت جميع ذلك يقع على الكثرة والجماعة، وإن كان لفظها واحدا فتفرد تارة للضمير العائد من الصلة إليه للفظ، وتجمع تارة [1] .
ويمثل قوله: تأملت مرحلة الاستقراء، وقوله فوجدت مرحلة الخصائص المشتركة، وقوله فتفرد تارة وتجمع تارة مرحلة الحكم، وهو إذ يقول وهذا النحو في التنزيل وغيره من كلامهم كثير يدل على أنه استقصى أمثلة كثيرة.
ثم قوله بعد ذلك [2] ، فإذا كانت غير موصولة كانت على ضربين:
أحدهما: أن تكون موصوفة، والآخر أن تكون غير موصوفة، وصفتها تكون على ضربين مفرد وجملة، فالمفرد كقولهم، مررت بما صالح، وتقديره بشيء صالح كما أن مررت بمن صالح مثل برجل صالح، ووصفه بالجملة وهى الكلام التام كقوله:
«ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال»
فما بمنزلة شىء، وليست الكافة كالتى في قوله { «رُبَمََا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا» } [3]
لأن الذكر قد عاد على ما، والذكر إنما يعود إلى الأسماء دون الحروف، والتقدير في تكره «تكرهه» فحذفت الهاء من الصلة كما حذفت من الصلة في قوله: { «أَهََذَا الَّذِي بَعَثَ اللََّهُ رَسُولًا» } [4] أى بعثه، ويدلك على ذلك الضمير الذى في له من قوله:
«له فرجة» ومثل ذلك في قول الفرزدق:
إنّى وأهلك إذ حلّت بأرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور
فالظرف الذى هو قوله بواديه في موضع جر، لأنه صفة من المنجرة بالكاف، كأنه قال: «كإنسان بواديه» ووصفه بالمفرد بعد ما وصفه بما يجرى مجرى الجملة كما جاء ذلك في قوله: { «وَهََذََا كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ مُبََارَكٌ» } [5] فوصف الكتاب بقوله مبارك بعد ما وصف بأنزلناه، وقد أجازوا في قوله: { «هََذََا مََا لَدَيَّ عَتِيدٌ» } [6]
(1) البغداديات ورقة 19.
(2) الشيرازيات 128.
(3) سورة الحجر آية 2.
(4) سورة الفرقان آية 41.
(5) سورة الانعام آية 155.
(6) سورة ق آية 23نص التعبير في النسخة التى حصلت عليها.