إلى تمرسه بالعويص وتعمقه في العلم، والغوص على البعيد من أعماقه، وهو من أجل ذلك لا يلحقه نقص ولا إبرام.
* * * هذا عرض عام لتلك الرسالة، وأضرب مثلين بعد ذلك أحدهما للعنصر الثانى في هذه الرسالة والآخر للثالث منها، إذ كنت ظربت مثلا للعنصر الأول فيها.
* * * مثال دفعه هجوم ابن خالويه:
فأما قوله: أنى قلت: «ما قال أحد أن القوم يقع على الجن فما أعلمنى قلت هذا، ولكنى قلت: «إن القوم يقع على الرجال دون النساء بدلالة قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} ثم قال ولا نساء من نساء، وبدلالة قول زهير:
«أقوم آل حصن أم نساء» وبدلالة أن القوم فعل من القيام، والرجال هم القوامون على النساء والصبيان كما جاء ذلك في التنزيل، وليس للنساء قيام على الرجال في هذا الوجه. فقال قائل في المجلس: ولو قيل إن قوما يقع على النساء أيضا بدلالة قوله:
أنا أرسلنا نوحا إلى قومه» فقلت إن هذا لا يدل على أن قوم يقع على النساء، لأن النساء وقع عليهن هذا الاسم لاختلاطهن بالرجال، فأطلق عليهن ما يختص به الرجال من حيث يغلب المذكر على المؤنث في هذا الموضوع، هذا ما ذكرته مما جرى في قوم لا أذكر غيره، ولو قال قائل: إن قوما لا يقع على الجن لم يكن فيما أورد من القرآن دلالة على أن القوم يقع على الجن [1] ، لأنه يمكن أن يكون المعنى: أنهم قالوا لزعمائهم ومن ينوب ويقوم عن سائرهم ما تقولون أنتم أيها الإنس لمن كان منكم هذا وإن لم يكونوا مستحقين لهذا الاسم في الحقيقة، وهذا النحو في اللغة غير ضيق. من ذلك قوله تعالى: { «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعََامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ» }
ثم قال: { «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ،} ومعلوم أن من كانت هذه صفته لم يكن كريما عند الله في الحقيقة لقوله: {«وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهََانًا» } ، وقوله. { «وَمَنْ يُهِنِ اللََّهُ فَمََا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ» } فاستحقاقه أن يسمى بالمهان ينافى أن يكون كريما، وإذا كان كذلك ثبت أن المعنى أنت العزيز الكريم عند نفسك، وأنت الذى يسمى بالعزيز الكريم ولست كذلك. وكذلك قوله تعالى: { «وَرَدَّ اللََّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنََالُوا خَيْرًا» } فسمى
(1) يشير إلى الآية: يا قومنا أجيبوا داعى الله.