وكان الفراء يعقد مجالس للاملاء أول النهار من أيام الثلاثاوات والجمع في شهر رمضان، وقد أملى على الناس كتابه «معانى القرآن» في هذه المجالس من شهور سنة اثنتين، وفى شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين [1] .
وذهب الفراء حاجا سنة 206 [2] ، وتوفى بطريق مكة [3] سنة سبع ومائتين [4] ، بعد دخول المأمون العراق بثلاث سنوات [5] ، توفى الفراء وعمره ثلاث وستون [6] ، ومعنى هذا أن كتاب المعانى أملى على الناس والفراء يدرج نحو الستين:
أى بعد استقراره الذهنى والمذهبى، وإذن فهذا الكتاب: كتاب معانى القرآن يمثل المرحلة التى انتهى إليها علم الفراء في الثقافة العربية على وجه عام. ولهذا الاستنتاج أهميته في تقويم الآراء التى صدرت عنه: ما كان منها متصلا باتجاهاته اللغوية والنحوية، وما كان متصلا بالبحوث القرآنية، وهو ما سأعرض له في هذا الفصل بالبيان.
ومعانى القرآن كتاب للفراء يكشف عن مذاهب القراء من الكوفيين في الاحتجاج في تلك الحقبة التى سبقت عصر ابن مجاهد أولا الى جانب ما يكشف عنه ثانيا من خصائص نحاتهم، والسمات العامة لمنهجهم. وكلا الأمرين يتصل بهذا البحث الاتصال الوثيق. ثم هو بعد يمثل حلقة من الحلقات المتتابعة في الدراسات القرآنية سبقت أبا على الفارسى بما يقرب من قرن ونصف من الزمان.
على أن لكل من الرجلين موقفا يخالف موقف الآخر نحو القراءات التى لم تتواتر:
ونحو الاحتجاج بها، وبرسم المصحف والاعتداد به أى في الاحتجاج، وهو ما يبيحه لى الحديث عن معانى القرآن وتناول هذه النواحى منه بالبيان. هذا إلى جعل أسلوب الشيخين في الكتابين موضعا للموازنة والتعليل. على أن أبا على قد قرأ كتاب المعانى على ابن مجاهد:
قال ابن جنى: أخبرنا أى أبو على بما في كتاب المعانى عن أبى إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج سماعا منه، وبمعانى الفراء عن ابن مجاهد عن الفراء [7] .
(1) معاني القرآن 1ط دار الكتب.
(2) طبقات القراء: 2/ 361.
(3) الفهرست: 100.
(4) وردت سنة الوفاة خطأ في كتاب طبقات الزبيدى المطبوع أخيرا (سبع وثمانين ومائة) ولم يتنبه إليه المحقق.
(5) نزهة الألباء: 70.
(6) معجم الأدباء: 20/ 13.
(7) المحتسب: 1/ 10.