اليهودية قد فسدت بين أيدى أتباعها، بل كان أحبارها لا يقلون قسوة قلوب عن حكام الرومان الأشداء!!. فلما جاء عيسى- صلوات الله عليهـ ترك رجال الدين ورجال الدنيا جميعا ولزم الحياة مع الضعفاء والمرضى والأرامل والبائسين وبدأ جانب الطبقات الفقيرة ينتعش، وأحس حراس المظالم بالنيام يستيقظون وبالمشردين يتجمعون، وأن الأرض توشك أن تميد تحت أقدامهم، فقرروا قتل عيسى وتشريد تلامذته ومصادرة تعاليمه!!. ووكل المستبدون العميان تنفيذ خطتهم إلى فرقة من الجند، ولكن عيسى نجا، وفر أكثر تلامذته إلى أقطار نائية. بيد أن ذلك لم يوقف الحرب الفاجرة على الديانة الجديدة، فقد تتبع الرومان كل ما يدل عليها بالإحراق، وكل من ينتمى إليها بالقتل أو النفى، ولم يلم المسيحيون شعثهم إلى بعد قرن من اختفاء عيسى. وإذا كانت محنة سنتين وقعت بإحدى الجماعات في مصر قد أودت بعشرات الألوف من صحفهم- إذ كان العثور بورقة منها عند شخص ما كافيا لجلده أو نفيهـ فكيف بمحنة ظلت قرنا من الزمن؟ تضافر فيها مقت الدولة المستبدة، وكراهية اليهود أنفسهم لهذا الدين، ونيلهم من صاحبه، الذى كانوا يرمونه ويرمون أمه معه بالإفك؟. لقد أثر ذلك كله في تاريخ المسيحية، فإشاعة قتل عيسى تحولت عقيدة جازمة، والصحائف التى كتب فيها الإنجيل اختفت كلها، ثم جاء نفر من الناس ألفوا سيرا لعيسى من ذاكرتهم تضمنت ما ترامى إليهم من أخبار، وما وصل إليهم من تعاليم! وهذه السير المؤلفة هى ما يسمى بالأناجيل!!. ولكن هل استطاعت المسيحية أن تستأنف سيرها حقا؟. كلا! .. إن المسيحية الأولى ذابت في حريق العسف والجبروت الذى اشتعل زمنا، فلما عاد هذا العنوان إلى الحياة لم يكن يرمز إلى حقائق دين نزل من السماء 091