يحيون فيها قطعت نسبتهم من الأرض ووصلتها بالسماء، فزعموا أنهم نسل آلهة، أو عاشوا كذلك وإن لم يقولوا بألسنتهم ما يقولون بأفعالهم .. فأراد محمد صلَّى الله عليه وسلم أن يعرفه العرب على أنه بشر مثلهم لا ملك فوقهم ثم انتسسب إلى أمه، لا إلى العظماء من أجداده، ليزداد لله تواضعا ومن الناس قربا ... وجاء الحكام الراشدون بعده فمشوا في إثره وربطوا سببهم بالجماهير التى نبتوا منها، فما تنكروا لها ولا تكبروا عليها، ولا حسب أحدهم نفسه من دم أنقى أو عنصر أزكى. واسمع إلى أبى بكر بعدما ولى الخلافة يقول:"أمَّا بعد .. فإنى قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتمونى على حق فأعينونى، وإن رأيتمونى على باطل فسددونى، أطيعونى ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لى عليكم. ألا إن أقواكم عندى الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندى القوى حتى آخذ الحق منه .. أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم"أ. هـ. وجاء في خطبة لعمر بن الخطاب:"اعلموا أن شدتى التى كنتم ترونها ازدادت أضعافا على الظالم والمعتدى، والأخذ لضعيف المسلمين من قويهم .. فاتقوا الله وأعينونى على نفسى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإحضارى النصيحة فيما ولانى الله من أمركم. أيها الناس: إنه لم يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله". هذا هو وضع الحاكم المسلم في الدولة المسلمة. رجل من صميم الأمة يطلب أن يُعان على الحق وأن يمنع من الباطل، ويرى السلطة المخولة له سياجًا للمصالح العامة لا مصيدة للمنافع الخاصة ولا بابًا إلى البطر والطغيان. وذلك هو أدب الإسلام الذى خط مصارع الجبابرة في الدنيا وحط منازلهم في الآخرة. (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) 038