فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 259

وبالجملة فإن عشرات النصوص بل مئات النصوص موجودة في بطون الكتب من تفسير وحديث وسير تدل على أن النبي ( لم يبدأ في دعوته بغير التوحيد ومحاربة الشرك والنصوص الدالة على ذلك من الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر فأيما داع دعا قومًا إلى الله فبدأ بغير التوحيد مع أن الشرك فيهم فاش والأضرحة التي هي بمنزلة اللات والعزى لديهم موجودة والناس لها قاصدون وعليها مترددون بها يتطوفون ويتمسحون وبأسماء أصحابها في الصباح والمساء يهتفون ويلهجون ولهم من دون الله يدعون وإليهم عند الشدائد يفزعون ويلجؤن، ولتلك الأضرحة ينذرون، وعلى اسمائهم يذبحون، معتقدين أنهم يعطون ويمنعون ويغنون إذا شاؤا ويفقرون، إن من دعا قومًا هذه حالهم فسكت عن شركهم سكوت المقر ودعا إلى غير التوحيد الذي هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله فإنه قد خالف الرسل كلهم من أولهم نوح عليه السلام إلى آخرهم محمد ( واتخذ سبيلًا غير سبيلهم ومنهجًا غير منهجهم ؛ بل قد خالف قول الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [1] .

وأولى به أن يوفر على نفسه الجهد والعناء لأن كل ما كان على غير منهج الرسل فهو مردود غير مقبول. قال (:(من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) [2] .

(1) سورة يوسف آية: 108.

(2) لعل قائلًا يقول: إن الداعي المشار إليه قد حارب الحكم بغير ما أنزل الله وهو من شرك التحكيم؟

فالجواب:

أولًا: أن هذا خلاف طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، فقد تقدم لنا أنه ما من نبي يبعث إلى قومه إلا ويدعوا قومه أول ما يدعوهم إلى عبادة الله وحده.

ثانيًا: أنه ما من نبي يبعث إلى قوم إلا وعند قومه من العادات والأعراف التي يتحاكمون إليها ويرضون بحكمها ويسيرون أمورهم عليها ما عندهم ولم يؤمر أحد من الرسل أن يزيل تلك الأعراف ويترك الأوثان التي يعبدونها من دون الله ؛ بل أمروا بالدعوة إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأوثان والأنداد سواء كانت قبورًا أو أصنامًا أو أشخاصًا أو غير ذلك.

قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} وقال: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشئ عجاب} .

ثالثًا: أن تحكيم القوانين والأعراف والعوائد هي نوع واحد من أنواع الشرك ولم يأمر الله عزوجل بأن تخصص الدعوة والإنكار لهذا النوع دون غيره من أنواع الشرك بالله التي هي أشد خطرًا منه وأكثر شيوعًا منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت