كان يجلّهم إذا صادف وجودهم في مجلس، ولم يحصل له الإجلال والشهرة الكبرى إلا في بيروت، حتى صار عند أهلها أول جليل بها، ولا يزوره أحد إلا ويذكر له ما يبلغه من المنكرات، فيستغرق مجلسه في ذمّها ولعن فاعلها وتقبيحهم والدعاء عليهم، وتأخذه الحدة العمرية جدا، ويظهر من التألم ما لا مزيد عليه. واتفق أن أحد الوجهاء في بيروت صادفه في الطريق فأقبل عليه وقبّل يده، وكان معه ابنه وعلى رأسه قبعة تشبه القبعة الفرنجية، فقال له: من هذا؟ فقال له: ابني، فقال له: أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيم?انِكُمْ اللّه أكبر، وصار يكرر عليه ذلك، فطفق يعتذر له ولا يزيده إلا إنكارا. وكان ينكر عليّ إدخال الساعات إلى الجوامع ويقول: إنها في دقها تشبه الناقوس، وأنكر مرة على إمام جامع إقراره على امرأة كانت تقعد عند بابه فتحفظ نعال المصلين وأمر بإخراجها. وله في النظر إلى دقائق الأحوال فكر عجيب، وربما يمرض من كثرة التألم على بعض المنكرات. ولما قدم دمشق مرة وشاهد في مرجتها ما استحدث من القهاوي على جانب بردى تألم وقال: متى كانت دمشق في هذا الحال، وصار يسترجع ويحوقل، وكان يسمي بيروت دار الكافرين ودمشق دار الفاسقين، ولما رحلت إلى بيروت صحبة عمه صفيّنا العلامة المفضال السيد أحمد الحسني سنة (1315) استقبلنا المترجم إلى محطة الحدث وأعدّ لنا أنفس عجلة 1، وعمل لنا دعوة عظيمة، وكنت أشاهد من سيرته وغيرته وهديه أحوالا عجيبة، وكان يضرب الأمثال بهدي سيدي الجد، ويترحم عليه كثيرا، وكان يذكر لإخوانه أنه لم ير من طبقة سيدي الجد مثله، بل إني ما رأيته أثنى على أحد
1)أي واسطة نقل.