فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 129

لموافقة هوائها له، فارتحل من دمشق إليها في سنة (1294) ومع ذلك كان يتردد ما بينها وبين دمشق، غير أن معظم إقامته كانت في الثغر، وغالب مجيئه لدمشق أواخر فصل الربيع إلى أواخر الصيف، هربا من شدة الحر وقتئذ في بيروت، وتصدى أول مقدمه إلى بيروت إلى الوعظ والتدريس العام في كتب القوم، فكان يبدي من باهر الإرشاد وفصاحة اللهجة ما يدهش الألباب، ثم اقتصر على الوعظ والإرشاد في بيته مراعاة لصحته، وكان يخبر عن ضرب لطيف من التعليم، كان والده يمرنه عليه أيام طلبه للعلم، وذلك أنه كان يتلقى عن والده الدرس ثم يأمره بمطالعته وحفظه وإلقائه عليه في اليوم الثاني من سماعه عليه، فكان يلقيه كما سمعه لتمام محفوظيته، ويجعله والده كأنه شيخه وهو تلميذه، وكان تلقى الذكر عن عمه الأمير قدس سره، وأجاز له بالأوراد القادرية، وتلقى أيضا عن السيد سلمان أفندي نقيب السادة الأشراف في بغداد. ومن سلالة القطب الجليل السيد عبد القادر الجيلاني، قدس سره، وذلك عند زيارته لهذه البلاد، وقد كان المترجم، رحمه اللّه، جليل القدر، مهابا، تكسو مجلسه الهيبة والوقار، كريم الطبع، حسن المسامرة، لطيف المعاشرة، ذا فكرة وقّادة وحافظة عجيبة، مشهورا ببلاغة الإنشاء وجودة النظم، وكان غيورا على المنكرات والبدع 1، سليط اللسان على المبتدعين، ينهج في أحواله منهج السلف ويدعو إلى ذلك، وكان لا يرضى بأدنى بدعة مخالفة لما يعهده من السيرة الحميدة، ولذلك كان كثير الاحتجاب، لا يخرج إلا لبعض إخوانه أو لمنتزه يخلو به معهم، فلا يتردد إلى الكبراء ولا يزورهم ولا يجيب دعوتهم وإن

1)أي كان حريصا على كشف حالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت