الثلث ولذاك الثلثان، فقرر القاضي ذلك، وجاءت البراءة بمقتضاه، وابتدأ شيخنا المترجم في الدرس المذكور سنة (1308) من المحلّ الذي وقف عليه شيخنا ابن أخيه، وهو من «صحيح البخاري» باب قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اَللّ?هِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ 1 من آخر الصحيح، ولم يزل حتى ختم «الصحيح» سنة (1314) وابتدأ بقراءته إلى أثناء كتاب العلم، وكان يحضر درسه المذكور العلماء والأعيان ويدعو له كثيرا من موظفي الحكومة، ويخلع عليه يوم الختام حسب العادة من الوالي والمشير، وسما قدره لدى الأكابر وأولي الأمر سموا عظيما وأجلّوه إجلالا باهرا، وصار يدعى شيخ الشام، حتى في آخر سنيه صار يقدمه قاضي الشام على نفسه في المحافل ويتأدب معه. وكان يتودّد إلى الأعيان والموظفين ويزورهم ويزورونه ويقبلون رجاه، ويسعى في قضاء مأرب من يرجوه. ولم يزل على طريقته المثلى ممتعا بصحته وقوته وسمعه وبصره على ضعف اعتراه فيه إلى أن فجعت الشام به خامس شوال سنة (1320) وذلك في مرض الوباء الذي نزل بالشام في أواخر شعبان وبقي بها أشهرا وذهب، قدّس سره، يوم رابع شوال لرد زيارة العيد لبعض جيرانه وأرحامه ثم عاد وتغدى قبيل الظهر، ثم أخذ في القيلولة على عادته واستيقظ قبيل العصر، فشرع في الوضوء لصلاة الظهر، فبعد أن صلى قاء، ثم اعتراه إسهال نحوا من مرتين وتغيّر مزاجه، وصلى العصر والمغرب والعشاء بجماعة في بيته، وازداد انحرافه فأحضرت له الأطباء فسكّنوا روعه، ووضعوا له علاج الوباء فتناوله، وبذلوا الجهد في كل ما يقدرون عليه فلم ينجع شيء، وأخذ يغيب ويفيق، ثم أدرك من نفسه الإشراف على الدار الآخرة، فأخذ يذكر اللّه كلما صحا وأوصى،
1)سورة الأعراف: الآية (56) .