وبالجملة فإكبابه على التعليم والتدريس والإفادة والصبر على الطلبة وتكرير المسائل وتفهيمها أمر غريب، كأنه قدّس سرّه شغف بهذه الحالة، ولم يتولع بتأليف، وإن كان جمع عنه بعض الطلبة كثيرا من التقارير والتحارير وتوضيحات المسائل جملة وافرة. وكان قوي الحافظة، شديد الاستحضار للقواعد الصرفية والنحوية والمنطقية، بحيث يكاد أن لا يغيب عن ذهنه كلية منها أو شاهد، وإذا جرّ البحث في دروسه العامة لمسألة نحوية أو صرفية يفيض الكلام على أطرافها إفاضة غريبة، وانتفع به من لا يحصى بحيث كاد أن لا يبقى أحد من غير أقرانه إلا وهو تلميذه أو تلميذ تلميذه. وفي سنة (1298) قصد الديار الحجازية ومرّ في ذهابه على مصر. ولقي أفاضلها. واستجاز من العلامة الشيخ عليش 1 مفتي المالكية، ومن الأستاذ البنا في الاسكندرية، ومن الشيخ أحمد [بن زيني] دحلان في مكة المشرفة، وقدم على طريق البر. ولما توفي شيخنا المسند الشيخ سليم العطار سنة (1307) طلب شيخنا المترجم درسه في التكية السليمانية خميس شهري رجب وشعبان بحجة أنه وظيفة والده الشيخ حامد، وأن النظام كان يقتضي توجيهه عليه أصالة لا على ابن أخيه المنوّه به، فعورض بتوجيهه على ابن أخيه ببراءة سلطانية، وأن النظام يقضي بتوجيهها على المتأهل لذلك من أولاده، فترشح لذلك ولده الأكبر فلم يؤدّ الامتحان، ثم استدعى شقيقه الأصغر منه فلم يؤدّ الامتحان أيضا، فقضي الأمر بتوجيه الدرس المذكور على ولد له صغير، وأن يكون شيخنا المترجم وكيلا عنه ريثما يتأهل، وأن يكون معاش الدرس المذكور أثلاثا، لشيخنا
1)هو محمد بن أحمد بن محمد عليش أبو عبد اللّه، من أهل طرابلس الغرب. مات سنة (1299) ه. انظر «الأعلام» (6/ 19) .