انفرادا لم يشاركه فيه أحد من أقرانه فيما أعلم، لقوة ملكته وذكائه، وغور فهمه، [و] كان يقرأ مثل حواشي العصام على «الجامي» وحواشي «الشمسية» وشروحها، و «حواشي الفناري» و «حواشي النتائج» و «المغني» وشروح «الشافية» ومثل «التحفة» في الفقه الشافعي، بلا مطالعة متقدمة، بل يدرك غورها ومالها وما عليها بمجرد مروره عليها أول وهلة، مما لم أره لغيره من أقرانه. وانفرد أيضا بحفظ كثير من الأوراد المأثورة وغيرها، فقد كان يلازم تلاوتها صباحا ومساء. ويتلوها صباحا بعد الفجر أمام المقام اليحيوي بالجامع الأموي. وفي سنة (1262) قدم لدمشق السيد محمد علي أفندي الكيلاني مفتي حماه، فلقّنه الذكر، وأجازه بالأوراد القادرية، وألبسه تاجا، ولم يزل يتعمم التاج منفردا عن أقرانه بذلك محافظة على العهد. وكان له في داره ميعاد ذكر ليلة السبت بعد العشاء يجتمع عنده لفيف من الفقراء وأهل الذكر، وقصد لعمل التهاليل في دمشق، فقلّ أن يمضي شهر إلا وعنده تهليلة أو أكثر. وكان يصنع تهليلة لوالده سنوية في الليلة السادسة من شهر صفر يدعو إليها علماء الشام وأعيانها وسواهم، فيغدو المجمع في داره حافلا جدا. وكان قدّس سرّه متوددا إلى الكافة، لطيف الأخلاق، متواضعا، بشوشا، سليم الصدر، لين العركة، سهل الانقياد، محببا إلى الجميع، سخيا سخاء جبلّيا، مضيافا، يلاطف الكبير والصغير، ويعاشر طلبته ويحادثهم ويحادثونه، يحفظ أخبار الطبقة المتقدمة وما جرياتها، منقطعا للإفادة والتعليم. وبلغت دروسه عشرة في اليوم والليلة. وربما أقرأ قبل طلوع الشمس وأقرأ كثيرا بعد العشاء في الليالي الطويلة. وحضرته سنة من السنين وقتئذ وله درس عام بين العشائين في الأموي درّس فيه كثيرا من الحديث والتفسير وغيرهما.