تكون جملا إذا قيل لها طيري، وطائرا إذا قيل لها سيري. يفاض له بذل، ولا يفوّض إليه شغل، ويملأ له وطب [1] ، ولا يدفع به خطب، قد وفّر همّه على مطعم يجوّده، وملبس يجوّده، ومرقد يمهّده، وبنيان يشيّده.
هذا كقول الحطيئة [2] : [البسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قلب نغل، وصدر دغل [3] ، وطويّة معلولة، وعقيدة مدخولة، صفوه رنق [4] ، وبرّه ملق، قد ملىء قلبه رينا، وشحن صدره مينا [5] ، يدّعي الفضل وهو فيه دعيّ، دأبه بثّ الخدائع، والنّفث في عقد المكايد، ضميره خبث، ويمينه حنث [6] ، وعهده نكث. هو سحابة صيف، وطارق ضيف، قوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العود المركوب، والوتر المضروب، يطؤه الخفّ والحافر، ويستضيمه الوارد والصادر. [يغمض عن الذكر] ، ويصغر عن الفكر. ذاته لا يوسم أغفالها، وصفته لا تنفرج أقفالها. هو أقلّ من تبنة في لبنة، ومن قلامة في قمامة. وهو بيذق الشّطرنج في القيمة والقامة، جهله كثيف، وعقله سخيف، لا يستتر من العقل بسجف [7] ، ولا يشتمل إلّا على سخف. يمدّ يد الجنون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع به قفا العقل. لا تزال الأخبار تورد سفائح جهله وخرقه، والأنباء تنقل نتائج سخفه وحمقه، قد ظلّ يتعثّر في فضول جهله، ويتساقط في ذيول عقله. هو سمين المال مهزول النّوال. ثروة في الثريّا وهمّة في الثّرى.
وجهه كهول المطلع، وزوال النّعمة، وقضاء السّوء، وموت الفجاءة. هو قذى العين، وشجى الصّدر، وأذى القلب، وحمّى الروح، وجهه كآخر الصكّ، وظلم الشكّ، كأنّ النحس يطلع من جبينه، والخلّ يقطر من وجنته. وجهه طلعة الهجر، ولفظه قطع الصّخر. وجهه كحضور الغريم، ووصول الرقيب، وكتاب العزل، وفراق الحبيب. له من الدينار نضرته، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته. وهو عصارة
(1) الوطب: سقاء اللبن وهو جلد الجذع. محيط المحيط (وطب) .
(2) ديوان الحطيئة (ص 284) ، والشعر والشعراء (ص 245) .
(3) قلب نغل: مليء بالحقد. وصدر دغل: يحفظ الحقد. لسان العرب (نغل) و (دغل) .
(4) رنق: كدر. لسان العرب (رنق) .
(5) الرّين: الدنس، والمراد الحقد والضغن. المين: الكذب. لسان العرب (رين) و (مين) .
(6) الحنث: الخلف في اليمين يقال: حنث في يمينه: نقيض برّ فيها. محيط المحيط (حنث) .
(7) السّجف: السّتر. محيط المحيط (سجف) .