وكان ابن أبي دواد غاليا في التعصّب لإياد وإلحاقها بنزار، على مذهب نسّاب العدنانيين. قال: وكلّ من بالعراق من إياد دخلوا في النّخع، وإليهم ينسبون ومن كان بالشام فهم [1] على نسبهم في نزار، وابن أبي دواد يرمى بالدعوة والتكثير من أخباره يخرج إلى ما أخافه من تطويل التصرّف، في مملول التكلّف.
وكان ابن أبي داود عالما بضروب العلم والأدب، متصرّفا في صناعة الجدال، على مذهب أهل الاعتزال، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيّات بيّنة، والنفاسة في الرياسة بينهما متمكّنة، وقال له بعض الشعراء: [الوافر]
أكلّ أبي دواد من إياد ... فكلّ أبي ذؤيب من هذيل
قال مسلم: ما تاه إلّا وضيع، ولا فاخر إلّا سقيط، ولا تعصّب إلّا دخيل.
وقال مدني لرجل: ممن أنت؟ فقال: من قريش، والحمد لله، قال: بأبي أنت! التحميد ها هنا ريبة! واسم أبي دواد دعميّ، قال أبو اليقظان: وهم من قبيلة يقال لها بنو زهرة إخوة بني جدّان، وقد ذكره الطائي في قوله [2] : [الكامل]
والغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد
ذكر شيبان لأن خالد بن يزيد الشيباني شفع له عند ابن أبي دواد فيما ينساق الحديث إليه من موجدته عليه.
قال محمود الوراق: كنت جالسا بطرف الجسر مع أصحاب لي، فمرّ بنا أبو تمام، فجلس إلينا، فقال له رجل منّا: يا أبا تمّام، أيّ رجل أنت لو لم تكن من اليمن؟ قال: ما أحبّ أنّي بغير الموضع الذي اختاره الله لي، فممّن تحبّ أن أكون؟ قال: من مضر، قال:
إنما شرفت مضر بالنبي، صلّى الله عليه وسلم، ولولا ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذوائنا، وفينا كذا، ومنّا كذا يفخر وذكر أشياء عاب بها مضر، ونمي الخبر إلى ابن أبي دواد وزيد فيه، فقال: ما أحبّ أن يدخل عليّ، فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها [3] : [الخفيف]
سعدت غربة النّوى بسعاد ... في طلوع الإتهام والإنجاد
يقول فيها:
بعد أن أصلت الوشاة سيوفا ... قطعت فيّ وهي غير حداد
(1) في الأصل: «فملمّ» .
(2) ديوان أبي تمام (ص 76) وجاء فيه: «فالغيث» بدل «والغيث» .
(3) ديوان أبي تمام (ص 7069) .