وقد مدحوا الإطالة في مكانها، كما مدحوا الإيجاز في مكانه. قال أبو داود [ابن جرير] في خطباء إياد: [الكامل]
يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء [1]
قال أبو وجزة السعدي يصف كلام رجل [2] : [الكامل]
يكفي قليل كلامه، وكثيره ... ثبت، إذا طال النّضال، مصيب
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد [3] ولم يسمّ قائله، وهو مولّد ولم ينقصه توليده من حظّ القديم شيئا: [المتقارب]
طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعي يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر [4]
وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقلّ على المكثر
وقال آخر يصف خطيبا: [الكامل]
فإذا تكلّم خلته متكلّما ... بجميع عدّة ألسن الخطباء
فكأن آدم كان علّمه الّذي ... قد كان علّمه من الأسماء
وكان أبو داود يقول: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشدق في الإعراب نقص، والنظر في عيون الناس عيّ، ومسّ اللحية هلك، والخروج عما بني عليه الكلام إسهاب.
وقال بعضهم يهجو رجلا بالعيّ: [الطويل]
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع [5]
(1) وحي الملاحظ: إشارة العيون. محيط المحيط (وحي) و (لحظ) .
(2) أبو وجزة السعدي: هو يزيد بن عبيد، الشاعر المجيد، والرواية للحديث. توفي بالمدينة ستة 130هـ. ترجمته في الشعر والشعراء (ص 591) والأغاني (ج 12ص 279) والأعلام (ج 8 ص 185) .
(3) محمد بن يزيد المبرّد: إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، توفي سنة 286هـ.
وفيات الأعيان (ج 4ص 313) وتاريخ بغداد (ج 3ص 380) وبغية الوعاة (ص 116) وإنباه الرواة (ص 241) وعبر الذهبي (ج 2ص 74) والأعلام (ج 7ص 144) .
(4) المنزر: المقلّ. محيط المحيط (نزر) .
(5) البهر: تتابع النّفس وانقطاعه من الإعياء. العثنون: اللحية. محيط المحيط (بهر) و (عثنن) .