تحاموني لتركي شرب راح ... أقمت مكانها الماء القراحا
وما انفردوا بها دوني لفضل ... إذا ما كنت أكثرهم مراحا
وأرفعهم على وتر وصنج ... وأطرفهم وأظرفهم مزاحا
إذا شقّوا الجيوب شققت جيبي ... وإن صاحوا علوتهم صياحا
ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، ما للعقار والوقار. إنما العيش في الطّيش، الراح ترياق سمّ الهمّ. النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه. اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. لولا أنّ المخمور يعلم قصّته لقدّم وصيّته. الصاحي بين السكارى كالحيّ بين الموتى يضحك من عقلهم، ويأكل من نقلهم. أحمق ما يكون السّكران إذا تعاقل.
التبذل على النبيذ ظرف، والوقار عليه سخف، حدّ السّكران أن تغرب الهموم، ويظهر السرّ المكتوم.
وقال الحسن بن وهب لرجل رآه يعبس عند الشراب: ما أنصفتها، تضحك في وجهك، وتعبس في وجهها.
وقال الطائي [1] : [الطويل]
إذا ذاقها، وهي الحياة، رأيته ... يعبّس تعبيس المقدّم للقتل
وقد أحسن الشيخ صدر الدين حيث قال: [البسيط]
وأن أقطّب وجهي حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحفظ الأدب
وترك رجل النبيذ، فقيل له: لم تركته، وهو رسول السرور إلى القلب؟ قال: ولكنه رسول بأس يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس.
وقيل لبعضهم: ما أصبّك بالخمر! فقال: إنها تسرج في يدي بنورها، وفي قلبي بسرورها، كأنّ الناشىء نظر إلى هذا الكلام فقال: [الكامل]
راح إذا علت الأكفّ كؤوسها ... فكأنها من دونها في الرّاح [2]
وكأنما الكاسات ممّا حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح [3]
لو بثّ في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساء بغرّة الإصباح
نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذّتها إلى الأرواح
(1) ديوان أبي تمام (ص 374) .
(2) الراح في صدر البيت: الخمر. والراح في عجز البيت: الكفّ. القاموس المحيط (روح) .
(3) الضّحضاح: الماء اليسير. القاموس المحيط (ضحضح) .