بالقلوب [1] ، لما جعل الله تعالى في تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس أحد يخلو من أن يكون متعلّقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له عقّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره، وشكا النّصب والسهر، وسرى الليل [وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء وذمام التأميل] ، وقرّر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وفضّله على الأشباه، وصغّر في قدره الجزيل، وهزّه لفعل الجميل فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وفي النفوس ظمأ إلى المزيد.
ويتعلّق بهذه القطعة ما حدّث به الحاتمي عن نفسه، وإن كانت الحكاية طويلة فهي غير مملولة لما لبسته من حلل الآداب، وتزيّنت به من حلى الألباب، قال: جمعني ورجلا من مشايخ البصرة ممن يومأ إليه في علم الشعر مجلس بعض الرؤساء، وكان خبره قد سبق إليّ في عصبيّته للبحتري، وتفضيله إياه على أبي تمام، ووجدت صاحب المجلس مؤثرا لاستماع كلامنا في هذا المعنى، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحتري إنحاء أسرفت فيه، واقتدحت زناد الرجل، فتكلّم وتكلّمت، وخضنا في أفانين من التفضل والمماثلة، غلوت في جميعها غلوا شهده جميع من حضر المجلس، وكانوا جمّة الوقت، وأعيان الفضل، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدىء، ولا يخرج، ولا يختم، ولو لم يكن للبحتري عليه من الفضل إلّا حسن ابتداءاته، ولطف خروجه، وسرعة انتهائه، لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التي تزداد على التكرار غضارة وجدة، ثم أقبل عليّ، فقال: أين يذهب بك عن ابتدائه: [الكامل]
عارضننا أصلا فقلنا الرّبرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب [2]
واخضرّ موشيّ البرود وقد بدا ... منهنّ ديباج الخدود المذهب
وأنّى لأبي تمام مثل خروجه حيث يقول: [الطويل]
(1) لائط بالقلوب: لاصق بها. لسان العرب (لوط) .
(2) الأصل، بالضم: جمع أصيل وهو العشيّ. الأشنب: الذي في أسنانه ماء ورقّة وعذوبة. القاموس المحيط (أصل) و (شنب) .