وقال الحجاج بن يوسف: دلّوني على رجل للشرطة، فقيل: أي رجل تريد؟ فقال:
أريد رجلا دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة [1] ، يهون عليه سبال الشريف في الشفاعة! فقالوا: عليك بعبد الرحمن [بن عبد الله] التميمي، فأرسل إليه يستعمله، فقال: لست أعمل لك عملا إلّا أن تكفيني ولدك، وأهل بيتك، وعيالك وحاشيتك، فقال: يا غلام، ناد: من طلب إليه حاجة منهم فقد برئت منه الذمّة.
وقال أشجع بن عمرو السّلمي يمدح في هذا المعنى إبراهيم بن عثمان بن نهيك صاحب شرطة الرشيد، وكان جبارا عنيدا [2] : [الكامل]
في سيف إبراهيم خوف واقع ... بذوي النفاق، وفيه أمن المسلم [3]
ويبيت يكلأ والعيون هواجع ... مال المضيع ومهجة المستسلم
شدّ الخطام بأنف كلّ مخالف ... حتى استقام له الذي لم يخطم [4]
لا يصلح السلطان إلّا شدّة ... تغشى البريّ بفضل ذنب المجرم
ومن الولاة مفخّم لا يتّقي ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم [5]
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم [6]
عذلت أعرابية أباها في الجود وإتلاف ماله، فقالت: حبس المال، أنفع للعيال، من بذل الوجه في السؤال فقد قلّ النوال، وكثر البخّال، وقد أتلفت الطارف والتّلاد [7] ، وبقيت تطلب ما في أيدي العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشك أن يسعى فيما يضرّه.
قال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول: اللهمّ ارزقني عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعّم بترك التنعّم، رجاء لما وعدت، وخوفا ممّا أوعدت.
(1) الأعجف: المهزول، والمراد هنا أنه عديم الخيانة. محيط المحيط (عجف) .
(2) الشعر والشعراء (ص 761) ، والأغاني (ج 18ص 236235) ، وعيون الأخبار (ج 1ص 66) .
(3) في الأغاني: «لذوي» بدل «بذوي» .
(4) في الشعر والشعراء: «جعل» بدل «شدّ» .
(5) في الشعر والشعراء وعيون الأخبار: «مقحّم» بدل «مفخّم» .
(6) في الأغاني: «بالشيء» بدل «بالأمر» .
(7) الطارف: المال الحديث المستحدث، ويقابله التلاد. محيط المحيط (طرف) .