فجد، وأجد رأيا، وأقدم على العدا ... وشدّ عن الإثم المآزر واصبر
وعاص شياطين الشباب وقارع الن ... وائب وارفع صرعة الضرّ واجبر
فإن لم تطق ذا فاعذر الدهر واعترف ... لأحكامه واستغفر الله يغفر
قال الجاحظ: صناعة الكلام علق نفيس، وجوهر ثمين، هو الكنز الذي لا يفنى ولا يبلى، والصاحب الذي لا يملّ ولا يقلى [1] ، وهو العيار على كلّ صناعة، والزمام لكل عبارة، والقسطاس الذي به يستبين نقص كلّ شيء ورجحانه، والراووق [2] الذي يعرف به صفاء كلّ شيء وكدره، والذي كلّ علم عليه عيال، وهو لكلّ تحصيل آلة ومثال.
وقال ابن الرومي: [البسيط]
ما عذر معتزليّ موسر منعت ... كفّاه معتزليّا مثله صفدا [3]
أيزعم القدر المحتوم ثبّطه [4] ... إن قال ذاك فقد حلّ الّذي عقدا
وقال [ابن الرومي] : [الكامل]
لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضلّ عن الهدى وتجور
وهن كآنية الزّجاج تصادمت ... فهوت، وكلّ كاسر مكسور
فالقاتل المقتول ثمّ لضعفه ... ولوهيه، والآسر المأسور
وقال أبو العباس الناشىء يفتخر بالكلام: [الطويل]
ونحن أناس يعرف الناس فضلنا ... بألسننا زينت صدور المحافل
تنير وجوه الحقّ عند جوابنا ... إذا أظلمت يوما وجوه المسائل
صمتنا فلم نترك مقالا لصامت ... وقلنا فلم نترك مقالا لقائل
وقال يصف أصحابه: [البسيط]
فلو شهدت مقاماتي وأنديتي ... يوم الخصام وماء الموت يطّرد
في فتية لم يلاق الناس مذ وجدوا ... لهم شبيها ولا يلفون إن فقدوا
مجاورو الفضل أفلاك العلا سبل الت ... قوى محلّ الهدى عمد النّهى الوطد
كأنهم في صدور الناس أفئدة ... تحسّ ما أخطئوا فيها وما عمدوا
(1) يقلى: يبغض. لسان العرب (قلا) .
(2) الراووق: المصفاة. محيط المحيط (روق) .
(3) الصّفد، بالفتح: العطاء. محيط المحيط (صفد) .
(4) ثبّطه: عوّقه. محيط المحيط (ثبط) .