كانوا يصبرون على الشدائد وربما انقطعت ببعضهم المادة وربما قَرِمَ بعضهُمْ لِلَّحْمِ [45] كما في مقدمة العلل لابن أبي حاتم، قَرِمَ بعضهم لِلَّحْمِ وقالوا: الشيخ ما سيخرج، مريض، فذهبوا واشتروا سمكة، منهم عبد الرحْمن بن أبي حاتم [46] ، اشتروا سمكة، فلما وصلوا إلى البيت قيل لهم: الشيخ يحدث، فتركوا السمكة وذهبوا يستمعون الحديث، وبقيت نحو ثلاثة أيام حتى أنتنت وأكلوها نيئة [47] .
وهكذا علماؤنا المتقدمون رحمهم الله تعالى، صبروا على الجوع، بل الصحابة رضوان الله عليهم: حافظ الصحابة، أبو هريرة رضي الله عنه [48] يقول: إن كنت لأصرع من الجوع، حتى يأتي الأطفال والأعراب ويضعون أرجلهم على رقبتي ويظنون أن بي جنونا، وما بي جنون، ولكنه الجوع.
نعم، وهكذا قصة المحمدين [49] ، نذكر خلاصتها لأنَّها معروفة لدى إخواننا، إذ كانوا فيما يظهر في الرصافة أو في مصر، انقطعت بهم المادة، وجاعوا حتى أصبحوا لا يستطيعون الصبر عن الطعام ويخافون على أنفسهم من التلف فقالوا: من يخرج يسأل لنا؟ فقد أبيحت لنا المسألة، من الذي يخرج منا؟ فجاء في بعضها على ابن جرير [50] ، وفي بعضها على محمد بن خزيمة [51] ، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم بعد ذلك صلى ركعتين وما شعر إلا بخادم الأمير ومعه طعام فاخر ومعه لكل واحد صرة [52] .
وهكذا القصص الصحيحة متكاثرة فيما حصل لعلمائنا من الجوع ومن الشدائد، والمسكين يريد أن يتعلم ولكن يريد أن يأكل من الأطعمة الفاخرة، و لله در شريك بن عبد الله النخعي [53] وقد ذكر حديثا، وقال له بعض العلويين [54] : ما سمعنا بِهذا في آبائنا الأولين، قال شريك: شغلك أكل العصائد [55] .
العلماء كما يقولون: لا ينال العلم مستح ولا متكبر [56] ، وأيضا: لا يستطاع العلم في راحة الجسم [57] .