الكاتب: الكاظمي
القسم الثالث من قصيدة الكاظمي
في الفخر
تخلى لكم من لو عصفتم بحده ... رأيتم إذن عضب الشباكيف يقطع [1]
وحل بكم من لو علمتم محله ... علمتم إذن بدر السما أين يطلع
فإن الذي في الكون عنه مفرق ... وإن الذي في الكون فيه مجمع
فلا يملك العلياء إلا سميذع ... وها أنا ذاك الأريحي السميذع [2]
نزعزع أبطال الوغى لو تحركت ... يراعة فكري لا الوشيج المزعزع [3]
ويسكرني والبيض تعسف بالطلا ... نجيع الهوادي لا العقار المشعشع [4]
وكيف أخاف الخطب يسود ليله ... وأسياف عزمي في دجى الخطب لمع
فكم غمة كشفتها وعظيمة ... تسنمتها والليل أسود أسفع
وحادثة قصرتها بعصابة ... تطول لهم في الروع بوع وأذرع
تطلعت منها كل دهياء أزمة ... كأني فيها الأرقم المتطلع
فقل للعِدا تختر لها أي ميتة ... فسيفي بألوان المنون مرصع
وهاك لسيفي الذكر في كل وقعة ... وهل يخلُ من آثار سيفي موقع [5]
ورُب سعاة أسرعت خطواتهم ... ففات مساعيها المشيح السرعرع [6]
ترنا لدى التمثيل سيين خلقة ... ولكن حفظنا المكرمات وضيعوا
لئن يرثوا أو يعجلوا لي سجية ... فلا تتوانى بي ولا تتسرع
ولي من وراء الغيب عين تدلني ... على المنهل العذب الذي ليس يشرع [7]
أرى كل تلعاء متى شئت جزتها ... وخلفت دوني كل من يتتلع [8]
ويا رب قوم غرهم نوم جمعنا ... وأغراهمو ذاك العديد المجمع
يخالون أن الطود يؤلمه الحصا ... وأن السبنتى بالنباح يروَّع [9]
وما علموا إذ يمموا الغاب خدعة ... يكون وراء الغاب ليث مخدع [10]
فجاءوا إلى الإسلام يعترضونه ... سفاهًا فشاموا أن واديه مسبع
سعوا بضلالات فخيب سعيهم ... أخو الرشد محمود النقيبة أروع [11]
فردُّوا عن الإسلام ميلًا رقابهم ... وجيد بني الإسلام أجيد أتلع [12]
وأقسم أني لو شحذت مقالتي ... لراح بها هانوت وهو مبضع [13]
ولكنني أغضي احتشامًا وقدرة ... وعندي من القول الطرير الملمع [14]
ونحن بنوا لبيض المصاليت في اللقا ... إذا مصقع منا جثا قام مصقع [15]
دعوا كل هياب يحكك نفسه ... بكل شجاع عله يتشجع
وخلوه ينهض بالذي لا يطيقه ... كما ناء بالعبء الأجب الموقع [16]
ولا تحسبوا نوم الشريف على القذا ... يدوم ويهنا في الزمان الموضع
فإن أسود الغاب تغضي ملاوة ... فتعسل سِيد في الفلاة وأضبع [17]
وإن هي هبت لا تدع من ورائها ... مهبأ ولا قدامها من يجعجع
فبشرى لنا والبشر للدار بعدنا ... إذا ما بها قام العماد المرفع
(1) عصفت الحرب بالقوم: أهلكتهم , وعصف الدهر بهم: أبادهم , وليس بظاهر في البيت، والشبا جمع شباة وهي الحد.
(2) الأريحي بفتح وسكون: الواسع الخلق , والسميذع بفتح السين والميم والذال المعجمة: السيد الكريم والشجاع والرجل الخفيف في حوائجه.
(3) الوشج: الاشتباك , والوشيج اسم منه يطلق على عروق الشجرة المشتبكه كعروق القنا وعلى اشتباك القرابة , ثم انتقلوا من إطلاقه على شجر الرماح لإطلاقه على الرماح نفسها يقال: (تطاعنوا بالوشيج) والمزعزع بفتح الزاي: المحرك تحريكًا شديدًا.
(4) الطُلى بالضم: الأعناق واحده طلية وقيل: طلاة , والنجيع: الدم الضارب إلى السواد , وقيل: دم الجوف خاصة , والهوادي: الأعناق واحده هادية , والعقار بالضم: الخمر , والمشعشع: الممزوج، وأما عسف السيوف بالطلى فلم أره في ثلاثي هذه المادة.
(5) سيأتي الكلام على هذا البيت وغيره في الملاحظة التي ننشرها في العدد الآتي.
(6) المشيح اسم فاعل من أشاح بمعنى جد واجتهد والمقبل عليك , والسرعرع: الشاب اللدن الناعم.
(7) يُشرَع: ماض مجهول من أشرع فلانًا الماء: أورده إياه وأخاضه فيه , ويقال: أشرعه فيه.
(8) التلعاء: المرأة الطويلة القامة أو العنق , ويظهر أن مراد الشاعر التلعة وهي ما علا من الأرض , ولا أعرف أنهم سموها تلعاء , ويتتلع يمد عنقه للقيام.
(9) السبنتى: لم أجد هذه الكلمة ولا أذكر أنني رأيتها في غير هذه القصيدة , والمسبنتى والمسبنتأ: من كان رأسه طويلًا كالكوخ.
(10) المخدّع: المجرب لأنه خدع مرارًا.
(11) النقيبة: النفس والطبيعة والعقل ونفاذ الرأي , والأروع: من يروعك بشجاعته أو بجماله , ولا يصدق هذا إلا على ذلك الإمام العظيم الذي رد على هانوتو ذلك الرد الحكيم.
(12) الأتلع: الطويل.
(13) المبضع: المقطع، وما كان أحوجنا إلى تلك المقالة وشحذها فعسى أن يبرزها الشاعر.
(14) الطرير: ذو المنظر والرواء وسنان طرير أي محدد ولعل التجوز فيه.
(15) المصاليت: الشجعان , والمصقع: البليغ أو من لا يرتج عليه إذا خطب ولا يتتعتع إذا تكلم.
(16) الأجب: البعير المقطوع السنام , والموقع: البعير الذي تكثر عليه آثار الدير وهي (بالتحريك) القروح التي تحدث في الدواب من الرحل ونحوه.
(17) الملاوة: البرهة من الوقت , والسيد بكسر المهملة وسكون الياء الذئب , والأضبع: جمع ضبع يقال: عسل الذئب (كنصر) إذا اضطرب في مشيه وهز رأسه من مضائه.