فهرس الكتاب

الصفحة 3320 من 4491

الكاتب: محيي الدين آزاد

الخلافة الإسلامية

ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية

مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة (الهلال) الهندية

وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد

الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة (بيغام) الهندية

باب الأئمة من قريش

فصل

تحقيق إمارة قريش واشتراط القرشية

إذا تتبعت الكتاب والسنة والآثار والدلائل الشرعية والعقلية - لا تجد فيها

نصًّا قطعيًّا على تخصيص الخلافة، والإمامة بقريشٍ، نعم، نجزم بصحة

الأحاديث التي وردت في هذا الباب، وكذلك خطبة أبي بكر الصديق في سقيفة بني

ساعدة على مسمع من الصحابة، وعدم إنكارهم عليها، وشهرة هذا الأمر فيهم،

ومَن بعدهم إلى انقراض الدولة العباسية أيضًا صحيحة، ولكن الحقيقة مع ذلك كله

على خلاف ما يفهمه الناس؛ لأنه كما لا يُنكر ما ذكرناه آنفًا - لا ينكر أن الشريعة

الغراء لم تحصر الخلافة قط في قومٍ دون قومٍ، وقبيلة دون أخرى، قل ما شئت

عن هذه الشريعة، ولكن لا يسعك أن نقول هذا؛ لأنها إنما جاءت لتحرير الإنسانية

من القيود، والأغلال التي كانت عليها، ولإعلاء شأنها، ورفع معالمها، وإعلان

ناموس العمل، وهدم أوثان العصبية، والامتيازات القومية الباطلة، فهل ترجع بعد

هذا القهقرى، وتشيد بأيديها هيكلًا جديدًا لتلك الأوثان المجذوذة؟ ! [1]

لسنا في حاجة إلى الإطناب والتفصيل؛ إذ كل مَن له أدنى معرفة بالشريعة

يعلم حق العلم أنها من أول نشأتها انقضَّت على قصور الامتيازات القومية الفخمة،

ودكَّتها دكة واحدة، حتى جعلتها أثرًا بعد عين، ماذا كان حال العرب قبل الإسلام؟ ،

كانوا في غاية من العصبية، مبالغين في اعتبار النسب، غير مبالين بمَن سواهم،

لا يرون لأحدٍ شرفًا ولا فضلًا، حتى الرعاة منهم كانوا يشمخون أمام الملوك

والعظماء، ويعدون القياصرة والأكاسرة مَهينين أمام عزِّهم القوي وشرفهم النَّسبي،

ليست العرب وحدها، بل الدنيا كلها كانت سائرة على هذا المنهج، عاكفة على هذه

الأوثان، موثقة بهذه القيود والأصفاد، ظهر الإسلام، فهاجم قبل كل شيء هذه

الأصنام، ونادى مناديه - بأعلى صوته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ

وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(الحجرات:

13)، فجعل أساس الشرف والفضل العمل وحده، فمَن علا به عمله فهو شريف

فاضل، ومَن سقط به عمله فهو ساقط مهين، مهما كان كريم النسب عالي الحسب،

وقال: أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ

سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (النجم: 38-40) ، وكان صاحب لوائه صلى الله عليه وسلم

يصيح بين الأنام:(ليس منا مَن دعا إلى عصبية، ليس منا مَن قاتل على عصبية،

وليس منا مَن مات على عصبية)، وأوصى أمته - في آخر حياته يوم الحج

الأكبر - قائلًا:(لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، كلكم

أبناء آدم) (الشيخان) ، وقال:(ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين وتقوى،

الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب) (رواه الجماعة) ، فظهور الإسلام وقيامه

ضمان للمساواة في النوع الإنساني، فلا فضل بعده لعربي على عجمي، ولا

لعجمي على عربي، الناس كلهم إخوان، أبوهم آدم، وأمهم حواء، وإنما الأفضل

أحسنهم عملًا، وأقومهم طريقةً، وأتقاهم لربهم.

أما عمله صلى الله عليه وسلم فشاهد على ذلك؛ فإنه لما بعث آخر بعث في

حياته أَمَّرَ أسامة بن مولاه زيد، فأنكر عليه هذا بعض السذج فقال صلى الله عليه

وسلم: (لقد طعنتم في إمارة أبيه، وكان أهلًا لها، وإن أسامة لها أهل) ، فتأمل

في قوله عليه السلام كيف كرر كلمة (الأهل) ؛ ليُعلم أن الإمارة والرئاسة تتوقف

على الأهلية لا غير [2] ، وقول عائشة رضي الله عنها في زيد مشهور، حيث قالت:

(لو كان زيد حيًّا ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره) [3] ،

وسرية أسامة - التي نحن بصددها - كانت مشتملة على سادات من المهاجرين

والأنصار وفحول من العرب العرباء، وقريش أصحاب المجد الباذخ، وكان فيها

أبو بكر الصديق الذي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار بعد بضعة أيام

أميرًا للمؤمنين، ورئيسًا للمسلمين [4] .

وهكذا أمرُ بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي معلوم

مشهور، حتى إن عمر الفاروق القرشي كان يقول في بلال: سيدنا ومولانا، وإذا

رأى صهيبًا يقول: (نِعم العبد صهيب لو لم يَخَفِ الله لم يعصِهِ) ، وأوصى عند

وفاته أن يصلي عليه صهيب، وأمير المؤمنين علي - عليه السلام - القرشي

الهاشمي كان يقول في سلمان: (سلمان منا أهل البيت) [5] ، فكان من أمر العرب

بعد الإسلام أن انحلت عصبيتهم النسبية في خلال قرن، وسبقهم العجم في مضمار

المحاسن والفضائل، وخضعت العرب أما علمهم وعملهم، كما كانت تخضع أمام

قريش، وبني هاشم، حتى اضطر الخليفة القرشي هشام بن عبد الملك أن يقول

للإمام الزهري:(والله ليسودنَّ الموالي العربَ، ويُخطَب لهم على المنابر،

والعرب تحتهم) (العِقد الفريد) [6]

فهل يتصور بعد هذا أن داعي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي دعا النوع

الإنساني إلى نبذ العصبية وغرور النسب وإقامة المساواة العامة - يرجع القهقرَى؟!

فيتبع الهوى؟ ويحصر الحكومة والسلطنة والخلافة في قومه وقبيلته إلى

آخر الدهر؟ ويقول لسائر الناس لا فضل ولا شرف ولا حق إلا بالعمل والأهلية،

ثم ينسى هذا، ويترك العمل وراء ظهره، ويقول لنفسه: النسب، القبيلة،

الوطن، ويسلط قومه على العالم كله؟ ! لعَمْر أبيك إن هذا لشيء عُجاب! [7]

نعم، إنه من عجب العجب، ولكن ما كنا لنبالي به لو نطق به كتاب الله

وسنة رسوله؛ لأن ميزان الحق عندنا الكتاب والسنة، فإذا ثبت فيهما شيء فهو

حق، سواء فهمناه أو لم نفهمه؛ ولذا لم نستبعده بمجرد فهمنا وعقلنا، بل استبعدناه

لأنَّا ما وجدناه فيهما، وقلنا إنه لا يليق بهذا الدين، دين الفطرة، دين المساواة،

دين العمل.

(( يتبع بمقال تالٍ ) )

(1) يا لَلْعجب! ، اعترف الكاتب بصحَّة الأحاديث وإجماع الصحابة، ومَن بعدهم قولًا وعملًا على كوْن الخلافة في قريش، ثم شرع ينفي هذا الإثبات بنظرية ظاهرة البطلان، وهي كون ذلك يعارض تحريرها للإنسانية! إلخ، ثم يبني على ذلك تأويل الأحاديث وإنكار الإجماع بما سيأتي من الروايات الشاذة، والآراء التي سنبين بطلانها في مواضعها، ثم نعرضها على القراء؛ ليميِّزوا راجحها من مرجوحها.

(2) هذا لا يعارض الأحاديث التي هي أصح منه، والإجماع في الإمامة العظمى، وهو في إمارة سَرِية من الجيش، ولو عارضها لكانت هي أولى بالترجيح.

(3) رأي عائشة هذا شاذ، وقد ثبت بطلانه بنصوص الأحاديث في إمامة قريش، حتى ما كان منها إخبارًا عن المستقبل؛ إذ كيف نستخلفه، وقد أعلمه الله بأن الخلافة ستكون في قريش عدة قرون، وبما ظهر من حكمة الشرع في عدم استخلاف شخص بعينه.

(4) سبحان الله! ، كيف نذكر المسلمين اليوم أن الأنساب والأحساب - التي يفتخرون بها، ويعدّونها موازين الشرف بينهم - كانت منبوذة من ذلك الزمن المبارك، فلم يكن يُنظر إذ ذاك إلا في العمل والتقوى، فأتقاهم وأقربهم إلى الله وإلى رسوله كان أشرف وأكبر من غيره، وهذا أسامة - مع تأخُّره في النسب - كان يُقدَّم في العطاء على شرفاء قريش، وقد اعترض مرة عبد الله بن عمر على تقديم أسامة عليه، فقال له أبوه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين: (كان أبوه أحبَّ إلى رسول الله من أبيك، وكان أحب إلى رسول الله منك) ! ، فما أعجب هذا الانقلاب الذي أحدثه الإسلام في أولئك الذين كانوا يحتقرون سائر الناس، ويعدون كافة البشر أدنى وأحط منهم، حتى إنهم أَنِفُوا يوم بدر من منازلة كماة يثرب، فردُّوهم بلا قتال، ولكنهم - بعد الإسلام - يخضعون لإمارة العبيد وأبناء العبيد، ولا يستنكفون منها، يُقدَّم ابن العبد على ابن السلطان، فيظل ساكنًا، ولا يفوه بكلمة! اهـ من حاشية الأصل.

(5) بل هذا حديث مرفوع رواه الطبراني في الكبير، والحاكم عن عمرو بن عوف.

(6) القول في سبق العجم للعرب باطل كما يعلمه كل منصف يعرف التاريخ، نعم ساهموهم، ولكن ما فاقوهم في شيء، وقد قصدوا إذلال العرب، ولم تقصد العرب إلا عزهم، ومساواتهم بهم في

الإسلام.

(7) كل ما ذكره شعريات وخطابيات متكلَّفة تعود على ما أراده من جعْل الخلافة في بني عثمان

المحصورين بالنقض، وأما جعْلها في قريش فلا يقتضي ذلك، ولا عدم المساواة بين الناس في الدين والفضل والحقوق والجزاء في الآخرة، من أدلته أنه لم يمنع من ارتفاع شأن الموالي والأعاجم حتى في أزمنة الخلفاء الجائرين من قريش، وقد كان أكثر ولاة بني العباس وقوادهم من الأعاجم في النسب، ولولا ذلك لسادوا قريشًا وغيرها، وأفسدوا أمر الإسلام، حتى بالغلو في تعظيم آل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد زلَّ قلمه زلة فاحشة، بل زلت قدمه بما قاله في حيز هذا الاستفهام، مما لا يليق التفوُّه به في حق خير الأنام، وإن كان الاستفهام إنكاريَّا، ولو يكن كذلك لكان كفرًا صريحًا وقذفًا فظيعًا، وإنما نشرناه أداءً لأمانة النقل، ونستغفر الله تعالى منه لنا وله، ومن لوازمه أن جميع أهل السنة القائلين بحصره صلى الله عليه وسلم للإمامة في قريش - يرمونه صلى الله عليه وسلم بما برَّأه الله منه من اتباع الهوى، وهو تكفير لهم غير مقصود للكاتب، ولازم المذهب غير مذهب في الأغلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت