الكاتب: محمد رشيد رضا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله , والصلاة والسلام
على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلاَّ (الانفطار: 6-9) لا
تغتر بربك فليس الغرور من لوازم الكرم , واشكر له نعمة التعديل والتسوية، فإن
الكفران يزيل النعم , فبهذه النعمة جعلك خليفة في الأرض , واستعمرك فيها إلى يوم
العرض , وسخر العوالم العلوية والسفلية , وذلل لك القوى الطبيعية , وهداك
النجدين , وبين لك السنتين , إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم , وأنزل عليك
الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء: 70) .
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه , وسعادتك أو شقاوتك
محصورة فيه , فأما الذين يقومون بحقوق الاستعمار بحسب السنن الطبيعية؛
فأولئك أصحاب السعادة والخلافة في دنياهم , وإذا ضموا إليها تزكية الأرواح باتباع
السنن الدينية تمت لهم السعادة في أخراهم , وأما الذين يجهلون سنة الله في هذه
الأكوان , ويقصرون بما اقتضته الحكمة الإلهية من العمران؛ فأولئك هم الذين لا
يرون في دنياهم من السعادة فتيلًا , ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى
وأضل سبيلًا.
يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم الحياة
الأبدية , ويمتعكم بالسعادة الدنيوية والأخروية , وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ
فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال: 26) ولو شكرتم لظلت هذه النعم في مزيد وَإِذْ
تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (إبراهيم: 7)
فلولا كفر النعم لما حلت بنا هذه النقم , ففاتنا ونحن كثير , ما كان لنا ونحن
قليل , حلت بنا الرزايا والمصائب , وتخطفنا الناس من كل جانب ذَلِكَ بِأَنَّ
اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ (الأنفال: 53) منح الله آباءنا الأولين ما وعد به عباده المؤمنين , وما
كان ذلك محاباة وجزافًا , وحرمنا نحن من تلك السيادة وحيل بيننا وبين هاتيك
السعادة , وما كان ذلك بخلًا أو إخلافًا , ولكنه أعطى كلاًّ ما طلبه بلسان حاله ,
واكتسبه بجليل أعماله , كلاًّ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء
ربك محظورًا , انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر
تفضيلًا.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ} (الأنفال: 29) بالرجوع إلى سنته
الكونية والدينية والشكر على نعمه النفسية والآفاقية {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} (الأنفال: 29) يزيح عنكم الشبهات , ونورًا تهتدون به في هذه الظلمات ,
{وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (الأنفال: 29) التي تقاسون بلاءها , {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} (الأنفال: 29) ذنوبكم التي تساورون عناءها {وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} (الأنفال: 29) هداكم بالدين القيم إلى النجاح في الحال , والفلاح في
المآل , فمن نجح به فأولئك هم المفلحون , ومن فاته الربح به فأولئك هم
الخاسرون , وقد مضت سنة الأولين بأن الناس تبع لرؤسائهم في الدنيا
والدين , فما غوينا إلا بغوايتهم , ولا نهتدي إلا بهدايتهم , فإذا انقطع من الحكام
الرجاء , فهو لم ينقطع من العلماء سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
قَدَرًا مَّقْدُورًا (الأحزاب: 38) .
إن أولى الناس بتعليق الآمال بالعلماء من دون الحكام والأمراء , هي الأمة
التي ما ترك دينها رابطة إلا وحلَّها , وحل بعد ذلك محلها , حتى أحاط بجميع
المصالح البشرية , وأوضح محجة الشؤون الروحية والجسدية , فكل ما أصابته من
السعادة كان يفيض عليها من سماء الدين , وكل ما أصابها من الشقاء إنما هو
بالانحراف عن صراط الدين , فلا جرم تكون حياتها بحياة الدين , وموتها بموت
علماء الدين , ويصح أن تضيف ما هي فيه من البلاء كله أو بعضه إلى تقصيرهم,
وتنسب ما بقي لها من آثار النعماء إلى ما كان من تشميرهم , ألم تروا أن ما دخل
عليها من المدنية العصرية بأيدي الأمراء المنسلخين عن المعارف الدينية كان عليها
وبالًا وما زادها إلا خزيًا ونكالًا، بخلاف مدنيتها الزاهية في أيام دولها الماضية ,
وكان وعدًا مفعولًا.
فيا أيتها الامة الإسلامية التي اغتر بعضها بدعاة الوطنية , فعلقوا آمالهم
بالوساوس الأجنبية , فانقلبوا بالبعد عن دينهم خاسرين , واغتر آخرون ببعض
أصحاب العمائم ظانين أن كل ذي عمامة عالم , فأوهموهم أن طلب السيادة والثروة
منبع المآثم , وأن المدنية كيفما كانت فهي عدوة للدين , اعلمي أنه قد أخطأ أولئك
كما أخطأ هؤلاء , وأوقعوا المسلمين في اختلاف الآراء , بل ألقوا بينهم العداوة
والبغضاء , فكانوا في ذلك من الظالمين , وخلاصة القول وزبدته , وصفوته
وحقيقته , أنه لا يرجى لهذه الأمة النجاح والسير في منهاج الفلاح , إلا بدعاة
ومرشدين يمثلون لها سعادة الدنيا في مرآة الدين , ويبينون لها كيف جمع القرآن
بين مصالح الدارين , حيث جعل الناس على قسمين فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا
آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ
سَرِيعُ الحِسَابِ (البقرة: 200-202) وهذا ما قام يدعو إليه المنار في سنتيه
الماضيتين وهو ما يصيح به الآن على رأس السنة الثالثة , وقد انتشرت بفضل الله
تعاليمه فأُشربتْها قلوب ولهجت بها ألسنة وكَتَبَ بمواضيعه الكُتَّاب , وخطب
الخطباء فمن مخطئ ومصيب ومنتقد ومجيب , وهكذا يكون الأمر في أوله
وستتجلى الحقيقة للناس إن شاء الله عن قريب , والعاقبة للمتقين.
{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} (ص: 88) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ
أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (الإسراء: 84) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ
تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ (الأعراف: 3) .