ـ [طلال العولقي] ــــــــ [22 - 04 - 05, 01:36 م] ـ
من الله علي بقراءة كتاب التحرير للشيخ الجديع - حفظه الله - فا استفدت استفادات عظيمة ومنها هذه
فالواجب اعتباره لفهم شرط الشيخين فيما انتقياه أمور أهمها:
أولًا: أن يلاحظ أنهما يخرجان للراوي أصولًا ومتابعات وشواهد، فمن خرجا له في غير الأصول، فليس على شرط الصحيح.
ثانيًا: أنهما يخرجان حديث الراوي عن بعض شيوخه، ولا يخرجانه عن شيخ معين مع ثقة ذلك الشيخ؛ لكون الراوي عنه ضعيفًا فيه، وذلك كسفيان بن حسين خرجا له ما لم يكن من حديثه عن الزهري؛ لأنه كان ضعيفًا فيه.
ثالثًا: يخرجان للشيخ في بعض حديثه ضعف، فينتقيان منه ما هو محفوظ دون سائره، كتخريجهما لإسماعيل بن أبي أويس وشبهه.
رابعًا: يخرجان من روايات الثقات الموصوفين بالتدليس ما ثبت أنهم لم يدلسوا فيه، أو الذين اختلطوا في أواخر أعمارهم، ما ثبت أنه ليس مما ضر به الاختلاط.
وهذا مما أغفله المستدركون على الصحيحين ما لم يخرجاه، وأبرزهم الحاكم في كتابه"المستدرك".
ومن أشد ما عيب على الحاكم الإخلال في تعقبه بسبب تساهله في تخريج أحاديث من أخرج لهم الشيخان من الرواة، دون اعتبار الصفة التي أخرج لهم عليها الشيخان.
وبين الزيلعي أن الشيخين أو أحدهما قد يخرجان حديث الراوي فيه ضعف، انتقاء للمحفوظ من حديثه، ومن ثم فيحتج بعض من بعدهم بكون الراوي خرج له الشيخان دون مراعاة هذا المعنى، فقال:"وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على (الصحيحين) ، فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه (المستدرك) ، فإنه يقول: هذا حديث على شرط الشيخين، أو أحدهما، وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجًا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث، كان ذلك الحديث على شرطه؛ لما بيناه."
بل الحاكم كثيرًا ما يجيء إلى حديث يخرج لغالب رواته في الصحيح، كحديث روي عن عكرمة عن ابن عباس، فيقول فيه: (هذا حديث على شرط البخاري) ؛ يعني لكون البخاري أخرج لعكرمة، وهذا أيضًا تساهل.
وكثيرًا ما يخرج حديثًا بعض رجاله للبخاري، وبعضهم لمسلم، فيقول: (هذا على شرط الشيخين) ، وهذا أيضًا تساهل.
وربما جاء إلى حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا (الصحيح) عن شيخ معين، لضبطه حديثه وخصوصيته به، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه، أو ضبطه حديثه، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه، أو لغير ذلك، فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ، ثم يقول: (هذا على شرط الشيخين) ، أو: (البخاري) ، أو: (مسلم) ، وهذا أيضًا تساهل؛ لأن صاحبي (الصحيح) لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره، فلا يكون على شرطهما.
وهذا كما أخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال وغيره، ولم يخرجا حديثه عن عبد الله بن المثنى، فإن خالدًا غير معروف بالرواية عن ابن المثنى، فإذا قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد عن ابن المثنى: (هذا على شرط البخاري ومسلم) كان متساهلًا.
وكثيرًا ما يجيء إلى حديث فيه رجل ضعيف أو متهم بالكذب، وغالب رجاله رجال الصحيح، فيقول: (هذا على شرط الشيخين) أو (البخاري) أو (مسلم) ، وهذا أيضًا تساهل فاحش.
ومن تأمل كتابه (المستدرك) تبين له ما ذكرناه" (448) ."
وقال ابن القيم ناقدًا صنيع الحاكم وشبهه:"أن يرى. . الرجل قد وثق، وشهد له بالصدق والعدالة، أو خرج حديثه في الصحيح، فيجعل كل ما رواه على شرط الصحيح، وهذا غلط ظاهر، فإنه إنما يكون على شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة، وتوبع عليه، فأما مع وجود ذلك أو بعضه فإنه لا يكون صحيحًا، ولا على شرط الصحيح، ومن تأمل كلام البخاري ونظرائه في تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم في صحيحه، علم إمامته وموقعه من الشأن، وتبين له حقيقة ما ذكرناه" (449) .
وقال ابن القيم أيضًا منبهًا على معنى تخريج مسلم حديث (مطر الوراق) وشبهه:"ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استردك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف جميع حديث سيء الحفظ، فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن" (450) .
قلت: فالواجب على من قصد إلى إصابة شرط الشيخين فيما لم يخرجاه أن يسلك طريقهما في الانتقاء.
وخلاصة هذا المبحث:
أن على الباحث أن يجتهد في تحقيق صورة الانتقاء من أحاديث من أخرجهم الشيخان، ولا يبادر إلى الحكم على حديث بأنه على شرط الشيخين أو أحدهما بمجرد تخريجهما لذلك الراوي.
ولما كان تحقيق ذلك مما يشق ويعسر فينبغي أن يستغنى عن القول مثلًا: (حديث على شرط الشيخين) بالقول: (إسناده إسناد الصحيح) وشبه ذلك، مما لا يقع به إيهام استيفاء شروط الشيخين، خصوصًا مع استحضار أن شرط الشيخين غير مقصور على أحوال الرواة، وإنما يطلب فيه سائر شروط الصحة.
اسال الله ان يحفظ الشيخ الجديع ويبارك فيه وفي ذريته