ـ [ماهر] ــــــــ [03 - 04 - 04, 05:45 ص] ـ
تعليل حَدِيْث همام بن يَحْيَى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قَالَ: (( كَانَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه ) ).
رَوَاهُ أبو داود في سننه (19) ، وابن ماجه في سننه (303) ، والترمذي في جامعه (1746) ، وفي الشمائل (93) بتحقيقي، وَالنَسَائِيّ في المجتبى 8/ 178، وفي الكبرى (9542) ، وابن حبان في صحيحه (1410) وفي طبعة الرسالة (1413) ، والحاكم في مستدركه 1/ 187، والبيهقي في سننه 1/ 94 و95 قَالَ أبو داود عقب تخريجه لهذا الْحَدِيْث: (( هَذَا حَدِيْث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس، أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من وَرِقٍ ثُمَّ ألقاه، والوهم فِيْهِ من همام، وَلَمْ يروه إلا همام ) ).
والحديث الَّذِيْ عناه أبو داود أخرجه: أحمد في مسنده 3/ 206، وَمُسْلِم في صحيحه 6/ 152 (2093) (60) ، وأبو عوانة في مسنده 5/ 490، وابن حبان في صحيحه (5501) ، وفي طبعة الرسالة (5492) ، وَقَالَ فِيْهِ: (( خاتمًا من ذهب ) )، وأبو الشيخ في أخلاق النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: 138من الطريق الَّتِيْ أشار إِلَيْهَا أبو داود، عن أنس بألفاظ مختلفة والمعنى واحد: (( أنه أبصر في يد رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من وَرِق يومًا واحدًا، فصنع الناس خواتيمهم من وَرِق. قَالَ فطرح رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم ) ).
عَلَى أن نسبة الوهم فِيْهِ إلى همام فِيْهِ نظر، وهذا الْحَدِيْث مشتمل عَلَى ما يأتي:
إن توهيم همام في متن الْحَدِيْث وإسناده إنما يتجه فِيْمَا لَوْ صحت دعوى تفرده ومخالفته متنًا وإسنادًا، ولكننا نجد أن همامًا متابع عَلَيْهِ متنًا وإسنادًا، فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِم في مستدركه 1/ 187 - ومن طريقه البيهقي في سننه 1/ 95 - وأخرجه البغوي في شرح السنة (189) من طريق يحيى بن المتوكل البصري، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، بِهِ مرفوعًا، إلا أن البيهقي ضعّف هَذِهِ المتابعة، ظنًا مِنْهُ أن يحيى هَذَا هُوَ: ابن المتوكل، يكنى أبا عقيل، مكثر في الرِّوَايَة عن بُهَيَّة، وَهُوَ مدني، ويقال: كوفي، ضعفه ابن المديني والنسائي، وَقَالَ ابن معين: ليس بشيء، ووهاه أحمد، وليّنه أبو زرعة، وَلَمْ يصب البيهقي في ظنه هَذَا، فيحيى هَذَا هُوَ آخر باهلي بصري، يكنى أبا بكر، ذكره ابن حبان في ثقاته، قَالَ العراقي: (( ولا يقدح فِيْهِ قَوْل ابن معين: لا أعرفه، فَقَدْ عرفه غيره، وروى عَنْهُ نحو من عشرين نفسًا ) ).
وَقَالَ ابن حبان: (( وَكَانَ راويًا لابن جريج ) )، وفرّق هُوَ وابن معين بينهما.
فمن هَذَا يظهر أن حال يحيى يصلح للمتابعة والاعتضاد، لاسيما وَقَدْ نص العلماء عَلَى عدم اشتراط أعلى مراتب الثقة في المُتابِع. أما قَوْل ابن معين: (( لا أعرفه ) )، فأراد بِهِ غَيْر المتبادر إلى الذهن وَهُوَ جهالة العين، فَقَدْ عنى جهالة الحال ولذا قَالَ العراقي - كَمَا نقلته آنفًا -: (( قَدْ عرفه غيره ) ).
وبهذا تظهر صحة متابعة يحيى بن المتوكل لهمام، وعدم صحة دعوى تفرد همام بالمتن والإسناد، فيتجه الحمل - والحالة هَذِهِ - إلى من فوقه وَهُوَ ابن جريج، وَهُوَ مدلس.
والذي يبدو أن الخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من ابن جريج، ولاسيما أن ابن المتوكل وهمامًا بصريان، وَقَدْ نص العلماء عَلَى أن رِوَايَة البصريين عن ابن جريج فِيْهَا خلل من جهة ابن جريج لا من جهة أهل البصرة.
وبيانه: أن ابن جريج دلّس للبصريين الواسطة بينه وبين الزهري، وَهُوَ زياد بن سعد، وصرّح بِهِ لغيرهم. كَمَا أنه - وعند تحديثه لأهل البصرة - لَمْ يَكُنْ متقنًا لحفظ الْمَتْن فأخطأ فِيْهِ، لذا قَالَ النسائي عقب تخريجه: (( هَذَا حَدِيْث غير محفوظ ) ).
فانحصر الخطأ في تدليس ابن جريج، ولهذا نجد الحافظ ابن حجر يقول: (( ولا علة لَهُ عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عَنْهُ التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي ) ).