السنة الفعلية هي: التي تنقل لنا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مثال ذلك: أنه كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع على يمينه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي سنن أبي داود أيضًا أنه كان إذا قام من الليل فانتهى، أي: صلى الوتر، تكلم وتسامر مع عائشة إذا كانت مستيقظة، وإلا اضطجع على يمينه، وهذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وتتعلق بأفعاله صلى الله عليه وسلم أمور منها: أولًا: أن الأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب، أي: أنه لا يمكن لأحد أن يلزم الناس بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك: الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل كما في حديث عائشة في اليوم الأول وقام خلفه أناس، ثم قام آخرون إلى اليوم الثالث، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج إليهم في اليوم الرابع، فاجتمع الناس في المسجد وضج بالناس، فلما سألوه عن ذلك قال: (خشيت أن تفرض عليكم) .
والدلالة من هذا الحديث هي: أنه قال: (خشيت أن تفرض عليكم) ، ولو كان الأصل في الفعل الوجوب لكان من أول ليلة واجبًا، والأمر الثاني: أنه قال: (خشيت أن تفرض) أي: أنها ليست بفرض، وهذه دلالة على أن فعله المجرد ليس بواجب.
إذًا: الأصل في أفعال الرسول أنها ليست واجبة، وهذا يفيدك علميًا، فمثلًا: لو احتج عليك أحد بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كالوصال مثلًا أو غيره، فأنت تقول له: الفعل ليس بواجب، والأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب.
ثانيًا: أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع: النوع الأول: أفعال خاصة برسول الله، والأصل عدم الخصوصية، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو فعل شيئًا يتعبد به لله، فالأمة بأسرها إما يجب أو يستحب أن تفعل هذا الفعل، أي: أن فعل النبي عام لكل الأمة وليس خاصًا به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، لكن هناك بعض الأفعال خاصة برسول الله بقرينة، فالقاعدة التي يقعدها العلماء: الأصل في أفعال الرسول عدم الخصوصية إلا أن تأتي قرينة تدل على الخصوصية.
مثال ذلك: نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لأكثر من أربع نسوة، والله جل وعلا ما أباح للأمة أكثر من أربع نسوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج ثلاث عشرة امرأة، وتوفي عن تسع صلى الله عليه وسلم: الأولى: ابنة الجون، وهي التي لم يدخل بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عائشة قالت لها: إذا أردت أن يحبك النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون شديد الحب لك، فإذا رأيتيه فقولي: أعوذ بالله منك، فانجرت المرأة لذلك؛ لأنه لم يكتب لها أن تكون زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة جدًا، فغارت منها عائشة ولقنتها الاستعاذة، فقالت:(أعوذ بالله منك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استعذت بمعاذ)؛ ولذلك استنبط العلماء فقالوا: إن التقي النقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن ينسحب، ولذلك جبريل عليه السلام لما قالت مريم: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا} [مريم:18] ، فالتقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن يتراجع، فلو أراد أن يبطش أو يظلم لا بد أن يتراجع، فقالت: أعوذ بالله منك إن كنت تقيًا، {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم:19] ، فهي قالت للرسول: (أعوذ بالله منك، فقال: استعذتي بمعاذ الحقي بأهلك) .
والغرض المقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم له خاصة أن يتزوج أكثر من أربع نسوة.
الثانية: المرأة الواهبة نفسها، فهذه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم أن تأتي امرأة تعرض نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فينظر فيها فإن أعجبته تزوجها بلا مهر، وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب:50] ، فقال الله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب:50] ، فهذه دلالة على الخصوصية.
أما ما يحدث الآن في عصرنا فلابد من التعزير أو الجلد أو الرجم لمن يفعل ذلك، فلو أن امرأة أتت لرجل وقالت له: وهبت نفسي لك.
وهو يقول لها: وهبت لك نفسي، فيتزوجها على ذلك طالما بلغت المحيض، أو بلغت سن الرشد -كما يقولون- وهو من بعد 21 سنة، فهنا لا يجوز شرعًا، فالصحيح أن الواهبة نفسها خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن مثال الخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم: الوصال: وهو صوم اليومين أو الثلاثة دون إفطار، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل الصوم، أي: كان يصوم يومًا بعد يوم، وهذه كانت خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم على الراجح من أقوال أهل العلم، لأنهم أرادوا الوصال فنهاهم عن ذلك وزجرهم، وأنا أقول على الراجح لأن المسألة فيها خلاف.
فبعضهم قال: إنها خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: (إني لست كهيئتكم) وهذه دلالة على الخصوصية.
وأيضًا قال صلى الله عليه وسلم: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) وهذه أيضًا خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
النوع الثاني: أفعال مبينة، فهذه حكمها حكم المبين، إن كانت تبين الواجب فهي واجبة، وإن كانت تبين المستحب فهي مستحبة.
مثال ذلك: الركوع والسجود في هيئات الصلاة، فهذه الهيئات هيئات تبين أمورًا واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإذًا: أي هيئة من هيئات الصلاة سترجع إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا) فيكون بيان الواجب واجب.
وأيضًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم -مثلًا-: (خذوا عني مناسككم) فمنها المستحب ومنها الواجب، كالرمل مستحب، والرمل: هو تقارب الخطى أثناء الطواف، وذلك في الثلاثة الأشواط الأولى كما في الصحيحين عن عائشة وابن عمر وهو يصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرمل ثلاثة أشواط، وحكمه مستحب، فلماذا يكون مستحبًا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خذوا عني مناسككم) ؟ والأصل هو الأمر: (خذوا عني) ، لأنه معلل، والتعليل صارف؛ ولذلك يرى الشنقيطي في (أضواء البيان) أن الرمل ليس بسنة، وذلك على أساس أنه معلل؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمل؛ لأن المشركين كانوا على الجبل ينظرون إليهم ويقولون: جاءكم قوم أصابتهم حمى يثرب لا يستطيعون السير، قد أنهكوا من شدة الحمى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين لهم أن يغيضوا الكفار تبيينًا بالجلد، فيرملون حتى يغيضوا الكفار، وهذه سنة، وهذا تعريجًا على أن السنة أنك تغيض الكافر، وهناك أشياء تعملها هي في الأصل محرمة، ولكن إذا كانت تغيظ الكفار فتباح، كالمشية بالتكبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة) كما في الصحيحين عن أبي هريرة، ومع ذلك أبو دجانة لما أخذ السيف، مشى بين الصفين يتبختر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموقف) فالغيظ للكفار تعبد لله جل وعلا، ولذلك استنبط ابن القيم بفقه عالٍ: أن الإنسان إذا عصى الله فتاب وأناب وخلا بربه فبكى، له أن يخرج لسانه للشيطان، حتى يغيظه، وهذا فقه عز أن يوجد في هذا الزمان.
والغرض المقصود: أن الرمل كان لسبب ولعلة، والعلة هذه تبين أن الأصل الاستحباب وليس الوجوب.
فهذه الأفعال تكون أفعالًا مبينة إما لواجب فتكون واجبة، وإما لمستحب فتكون مستحبة.
النوع الثالث: أفعال جبلية، وهذه ليست بسنة متبعة، ومثالها: عندما تأتي وتأكل الطعام باليد وتقول هذه سنة، فهذا خط؛ لأن هذه جبلة أصلًا، وهذه من عادات العرب، فقد كانوا يأكلون بأيديهم، وأنت لو أكلت بالملعقة لا يقال لك: إنك خالفت السنة، وإنما هذه أفعال جبلية، أو أكلت بالشوكة ليس فيها شيء، فهي أفعال جبلية، وكان يلعق أصابعه؛ لأن العلة هي: أنك لا تدري أين هي البركة؟ إذًا: العق الملعقة، فلعل البركة تكون فيها، لأن العلة موجودة، فهي أصلًا أفعال جبلية.
وأيضًا: كاضطجاع النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام نفخ، كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام نفخ) فالنفخ في النوم ليس بسنة.
وكذلك مشية النبي صلى الله عليه وسلم ليست بسنة.
وتكون سنة إذا نوى المرء بالعادة عبادة، فمثلًا: إذا نوى المرء أنه يأكل بيده امتثالًا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أي: يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويبتسم كما ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم، وينام كما ينام النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يفعل كل شيء صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر الإمكان، ويسدد ويقارب حتى يفعل ذلك، يقول: أحببت رسول الله، وأحب كل فعل ورد عن رسول الله، فهذه يثاب عليها للقاعدة التي قعدناها وهي: أن العادات بالنيات تنقلب إلى عبادات، فهو إذا نوى ذلك واحتسب أجر أنه يتمثل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فله بذلك الأجر.
إذًا: الأفعال الجبلية ليست بسنة أصالة، لكن تنقلب عبادة للمرء إذا نوى فيها.
ومن الأفعال الجبلية أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الدباء، فكان يتتبعه في الصحفة، وأنس قال: ما رأيت صلى الله عليه وسلم يفعل شيئًا إلا وفعلته، وكان يتتبع الدباء، فأكل الدباء مع أنه لم يكن يحبه، لكن عندما وجد النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء فعل ذلك، أيضًا أعرف من يحب الذراع من الشاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها، وأيضًا كان يحب العسل والحلوى، فهو يحب ذلك لحب النبي صلى الله عليه وسلم لها؛ فهو يحتسب الأجر بذلك، فتنقلب له بذلك إلى عبادة يؤجر عليها.
والاكتحال