"ماذا أفعل..؟ إن قدري دفعني إلى هذه الدنيا في زمان غير زماني.. إنه شتاء الإسلام الكابي الحزين.. ولا حيلة لي إلاّ أن أبذر بذور الربيع القادم الذي لا يريد أن يبصره هذا العصر.. وحين تنبت هذه البذور وتتسنبل ويأتي ربيعها أكون أنا قد فارقت الدنيا، لكني سوف، أتنسم نسمات ربيع الإسلام وأنا راقد في قبري.. فاستشراف مستقبل الإسلام الزاهر هو عزائي وسلوتي في غربتي..".
لقد ذاق الرجل ألوانًا من الأحزان، وأُلبس أثوابًا من الشجى والآلام، إلاّ أنه كان ستّارًا لشجوه، كتومًا لمصيبته، متلفعًا بعظمته، مستغرقًا في سكينته، منطويًا على آلامه، مستغنيًا بنفسه، مستقويًا بربه، مستعليًا على الخوف، قاهرًا الجبن والمسكنة، لأنه يرى أن ضعف الفريسة ومسكنتها لا تثير، إشفاق المفترس ورحمته، بل تزيد في شراسته، وتقوي شهيته للفتك والقتل والافتراس، لذا لم يسجل عليه طوال حياته أنه ضعف وهان واستكان أمام جبروت أصحاب الحكم والسلطان.
ولكن كيف استطاع أن يجعل من"بارلا"القصية البعيدة مدرسة تشع منها أنوار"رسائل النور"..؟!
لكي نفهم هذا لابدّ أن أحدثكم عن شخصية"النورسي"القوية المشعة.. فالشخصية القوية - شأنها شأن طاقات الطبيعة وقواها - مجموعة قوى وطاقات خفية غامضة، تُكِنُّهَا النفس الإنسانية، نحسُّ أثرها وتأثيرها فينا وفي الآخرين، دون أن نعرف شيئًا عن ماهيتها وكنهها. وقصارى القول فيها: إنها هبة إلهية، ومنحة ربانية، يمنحها الله سبحانه وتعالى للصفوة من الناس ـ ومنهم النورسي ـ مِمَّنْ رسم لهم القدر أن يحتلوا مراكز الإشعاع في المكان الذي يوجدون فيه، وهي تمثل الاستثناء من المكرور والعادي من الشخصيات.