فالشخصيات القوية من ذوي البناء المحكم المتين الذين يصعب اختراقهم، يملكون قوى خارقة - تنبعث من ذواتهم، وتقتحم أقفال القلوب والعقول، وهم بكتلهم الثقيلة في موازين الرجولة يشكلون مراكز ثقل يشدون إليهم مَنْ يلتقونهم من الناس، فلا غروَ أن يصبحوا طاقات مشعة في المجتمع، يلتف حولهم الناس، ويخطبون ودَّهم، وينصاعون لأمرهم، ولسان حالهم يقول:
إذا كان قد فاتنا أن نرقى رقيهم، فلا أقلَّ من أن نقبس من عظمتهم، وندين لهم بالمحبة والطاعة والولاء.
وهكذا انجذب إلى الرجل مَنْ يخدمه ويقرأ رسائله، ويتتلمذ عليه، ويستكتب هذه الرسائل ويسيح في طول البلاد وعرضها، فيسقي نورها ظِماء الإيمان وجياع العقيدة والإسلام.
ولكن ما هو هدف"رسائل النور"؟ وما المحور الذي تتمحور حوله، وتتموضع إزاءه..؟ انه باختصار شديد"الإنسان".. هذا الإنسان الذي تريد له أن يدرك أن دنياه لا تقلُّ غرابةً عن آخرته، فكل شئ فيها غريب وعجيب ومعجز، إلا أن مداومة النظر للدنيا، والائتلاف الدائم بينه وبين أشيائها، يجعله يفقد شداهة النظرة البكر، وقوة حدتها ونفاذها، وذكاء لمحاتها، الأمر الذي يدفعه للاستغراق في المألوف من دون إعمال العقل فيه، ظنًا منه أن كل مألوف معلوم، وشتان بين أن نألف أو أن نعلم كما ينبه"النورسي".
وكما أن"الدنيا"موجودة يصدمنا وجودها، ونتحسسها بأحاسيسنا وعقولنا، فكذلك"الآخرة"موجودة، وهي ليست بأقلَّ حقًا ووجودًا من الدنيا، ولكن رؤيانا لها، وشعورنا بها - هنا في الدنيا - يكون بالروح الطاهر، والقلب المتبتل الخاشع، وهذا ما تسعى رسائل النور إلى أن تمنحنا إياه.
وإذ كان"الإنسان"هو لبَّ الدنيا الذي تتوجه إليه رسائل النور بمعارفها، فإن الدنيا قشرته، أو بالأحرى إن الدنيا لا شئ، بينما الإنسان كل شئ، ومآله الأخروي هو أعظم الاشياء، وأكثرها أهمية وخطورة.