فما يعتلج في نفوسنا من توق إلى الخلود والبقاء، ونفور من الموت والعدم، دليل على وجود البقاء والخلود خارج عالمنا اكبر من كل دليل وأعظمه،كما يقول"النورسي".
لأن"الإنسان"- كما هو معلوم - لا يشتاق إلى عدم لا وجود له، ولا يرتبط معه بسبب من الأسباب؛ إن هذا الشوق هو عذاب الروح المستطاب الذي يجعل الإنسان ينظر إلى بشريته بشيء من الحزن لأنه سجين هذه البشرية التي كان مقدرًا لها أن توجد على هذه الأرض لتعاني الاغتراب، وتكابد عذابه، وربما إلى هذا إشارة في قوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد سئل عن سنته:"والشوق مركبي.. والحزن رفيقي.. وقرة عيني في الصلاة.."لأنها - أي الصلاة - رسول أشواقه - صلى الله عليه وسلم - إلى الله تعالى ربِّ ذلك العالم الأخروي البعيد، القريب، الذي نحسه في تجليه على أرواحنا بأنواره وأندائه في لحظات صفاء الروح، وفي أوقات استضاءة القلب بنور الله. كما أن لهذا العالم الغيبي امتدادات نسبية في عالم الشهادة - كما يقول النورسي - تظهر أوضح ما تظهر في الإنسان، خلاصة هذا العالم، وأرقى مخلوقاته، فكيانه - باطنه وظاهره - مرآة كبرى تعكس بنسبيتها شؤون الغيب المطلقة.
فوجود الإنسان النسبي يرمز إلى وجود مطلق،
وعلمه النسبي يرمز إلى علم مطلق،
وقدرته النسبية ترمز إلى قدرة مطلقة،
وإرادته النسبية ترمز إلى إرادة مطلقة،
وهكذا، فكل ما هو نسبي من الصفات عند الإنسان، يقابله ما هو مطلق فيما وراء هذا العالم.