لقد رأى الرجل بقلبه البصير الصادق، وبصيرته المتوقدة الحادّة، أن سبب ما يعانيه المسلمون من عوابس الخطوب، وكالحات المحن، يرجع بالأساس إلى غياب الوعي الإيماني العميق، وانطفاء العقل المسلم القادر على صنع الأفكار المستنيرة، وتسطح الفهوم والمدارك، وخدر المسلمين بأفيون الدنيا، وفقدانهم للحس بمخاطر ما يحيط بحياتهم.. لذا لم يَرَ من الرجولة والمروءة بمكان أن يستبق الأحداث، ويزج بطلابه الذين لم يبلغ الوعي الديني عندهم مرحلة النضج والكمال، لينافسوا الدنيويين على دنياهم في معارك السياسة، قبل أن يموت فيهم - مثله - أيّ استشراف إليها، ومحبة بها، لأنه يرى أن الدنيا بأسرها لا تساوي قطرة دم واحدة من مسلم تهدر في سبيلها.. فما يريده سعيد الجديد مرحليًا هو أن ينشئ جيلًا واعيًا مشبعًا بحقائق الإيمان، مستقلًا بالحمل الفادح، ثابتَ الوطأة، قائمَ الصُلبِ، أَيّدَ الركن، يملك الدنيا بيده ولا يدعها تلج إلى قلبه، يرى الاستشهاد في سبيل حقيقة من حقائق الإيمان شرفًا لا يعدله شرف.. إلى هذا الهدف كان يرمي في كل ما كتبه في"رسائل النور". غير أنه لم ير مندوحة في مجاهدة الأعداء الآتين من وراء الحدود، لأن الأمر هنا لا يحتاج إلى كبير وعي، ولا إلى مزيد علمٍ وفِقْهٍ، فمعلوم من الدين بالضرورة أنه إذا ديستْ أرض المسلمين من قبل الكفار فالجهاد فرض عين على كل مسلم، فسارعَ إلى تشكيل فرق الأنصار من طلابه ومن المتطوعين، وكان ظهير الجيش النظامي في حربه مع الروس، وقد أبلى البلاء الحسن كما شهد له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء، حتى إنه جُرح وأُسر وبقي في الأسر حتى قيام الثورة الشيوعية سنة 1917م.
وفي خطبته الشامية ذائعة الصيت لخص"النورسي"أمراض المسلمين، وذكر اليأس والقنوط والشعور بالإحباط كواحد من هذه الأمراض التي داءت بها عقولهم وأرواحهم، فشلّت جوارحهم عن الحركة، وقرَّحَتْ آمالهم وأحلامهم، وجمّدتْ نبض الحياة في عروقهم.