إننا بازاء رجل يفور روحه بأسرار الإيمان، ويتفطّر فؤاده بفجر اليقين، ويلتهب رأسه بأفكار العقيدة، وهو قادر على إيقاظ هوامد أفكارنا، وبعث الحياة في مَوَاتِ نفوسنا وشلل أرواحنا، وقد أوتي فضيلة النطق بكل جليل وجميل من الأفكار. وإن شهابًا ثاقبًا من سماء روحه كفيل بإشعال هشيم نفوسنا، وجعلها تتلهب شوقًا إلى الله، وتحترق محبةً فيه. ولم يتأتَ له ذلك إلاّ بعد أن خاض تجارب روحية كثيرة، أخصبت كيانَه، وأمرعت فؤادَه، لعلّ من أهمها تلك التجربة الذاتية التي شكلتْ منعطفًا جديدًا في مسيرة تاريخه الفكري والروحي، فهو حين أنكر نفسه، ورأى منها ما يريب، استنفر شجاعته، واستجمع كلَّ قوى وجوده لتسعفه في الانسلاخ عنها، والتنكر لها، ولم يتردد لحظةً في نحرها بسكين همته ومواراتها الترابَ والتكبير عليها أربعًا.
لقد فعل"النورسي"هذا حين أَشْكَلَتْ عليه نفسُهُ، وَغُمَّ عليه هدفه، ولم يعد يعرف مَنْ هو..؟ وماذا يريد..؟ وما هي حقيقة رسالته في هذه الحياة..؟ وما السبيل إليها..؟
وعندما وَضُحَ الهدف، واستبان السبيل، وقُذِفَ في رُوْعِهِ أنّ رسالته إنما هي إنقاذ الإيمان في هذا العصر المقفر الجديب، ألقى بسعيد القديم وباستشرافه إلى الدنيا في تابوت الموت، وقذف به إلى يَمِّ الماضي السحيق، وما لبث"سعيد الجديد"أن نهض بدلًا عنه، نافضًا عنه تراب الدنيا، ليبدأ رسالة إنقاذ الإيمان، بنفسٍ قوية لا تُهْزَمُ، وعزمٍ ماضٍ لا يَكِلّ، وفؤادٍ صارمٍ لا يُضَلُّ.