الصفحة 958 من 3036

وفي القرآن الكريم: ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) فالنّفْسُ كونٌ عظيم واسع عميق الغور. يحيا بين جنبينا، يضاهي في سَعَةِ سماواته وعظيم شموسه وأقماره وكواكبه، وعجائبه وغرائبه، الكون الذي يظلّنا ويحيط بنا، ورواد فضاءات النفس كرواد فضاءات الكون، اكثر فهمًا وإدراكًا لأسرار الربوبية فيما يردون من آفاق ويقتحمون من مجاهيل. فلا عجب إذا ما حازت مقولة:"معرفة النفس"موافقة الأنبياء والحكماء على حد سواء فالله تعالى"خلق الخلق ليشاهدَ في مرايا أطوارها جلوات أنوار جماله وجلاله وكماله"كما يقول"النورسي"ويقول كذلك:"وأما ذو الكمال الذاتي والجمال الحقيقي، المجرد، السرمدي المحبوب لذاته بذاته، الذي له المثل الأعلى فقد أخبرنا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام."إنّه خلقَ الخلقَ ليعرف" (1) أي صور مرايا ليشاهد فيها تجليات جماله المحبوب لذاته بذاته".

ـ 15 ـ

يصعب التعاطي مع"الذوقيات"عمومًا بوسائل العلم وبقواعد المنطق، بل تؤخذ"الذوقيات"كما هي دون مداخلات لغرض البيان أو التفسير. وقد باءت المداخلات العلمية والعقلية مع"الذوقيات"بالفشل في كل مرة، فمداخلة العقل أو العلم لتفسير ظاهرة ذوقية معينة قد يفسدها، أو على الأقل يفرغها من محتواها الذوقي والجمالي، فالذوقيات نتاج مؤثرات جمالية، والجمال إذا فُسِرَ فَسَد، والذوق إذا عُقِلَ فَلَت، ومن هنا نفهم دواعي الخلاف التقليدي طويل الأمد بين الفقهاء ورجال العلم من جهة، ورجال التصوف من جهة أخرى.

(1) وهذا مقارب بالمعنى ما ورد: ( كنت كنزًا لا أُعرف فأحببتُ أن أعرف فخلقت خلقًا فبي عرفوني) لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف إلا أنّ علي القاري قال: ولكن معناه صحيح مستفاد من قوله تعالى: (وما خلقت الجنّ والأنسَ إلاّ ليعبدون) أي ليعرفوني كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما. (كشف الخفاء 2/132 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت