معرفة الله تعالى هي الغاية الأساسية من خلق الإنسان. والهدف الأسنى من استخلافه على كوكب الأرض، ومن أجل هذه الغاية المقدّسة فَطَرَهُ ربُّ العالمين على حب المعرفة، وزوده بما يَحْفِزُهُ إليها، ويدفعه نحوها من لطائف الحدس والحسّ والشعور والخيال، ومن فوقها كلّها ملكة العقل والإدراك، لكي يسعى لامتلاكها والارتقاء بنفسه إليها.
فمهمة الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إنما هي الأخذ بيد الإنسان ومساعدته للنهوض بكيانه المعرفي وإثرائه بالمزيد مما يتنزل به الوحي عليهم من معارف الغيب، فكلما عَمُقَتْ واتّسَعتْ معرفة الإنسان بخالقه زاد حبه له، واشتّدت رغبته بلقائه، وصار اكثر استعدادًا على اختراق تلك البرهة الزمنية التي تفصله عنه وتحجبه عن لقائه بنجاح وسلام حين يحين أجلها وتدقُّ ساعتها. وبعض الحكماء يدعون إلى معرفة"النفس"أولًا. لأن معرفة النفس عندهم تفضي عاجلًا أو آجلًا إلى معرفة الله. فمعرفتها - أي النفس -"أمُّ الحكمة، واصل الفضائل، وعليها تتوقف دقائق الحكمة، ورقائق المتألهين، كما جاء في الوحي القديم:"اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربَّك"وفي كلام النبي - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ عَرَفَ نفسه فقد عرف ربّه، وأعرفكم بنفسهِ أعرفكم بربّه"وفي كلام"أفلاطون":"مَنْ عرف ذاته تألَّهَ"وفي كلام"أرسطوطاليس":"معرفة النفس معينة في كل حقٍّ معونةً كثيرةً". (1) "
(1) السهر وردي / حكمة الإشراق / هامش القسم الثاني / المقالة الأولى / ص 114