ومعلوم أنّ كُلَّ ما ينبع عن الفطرة فهو جميل، فكل جميل مدين بجماله إلى أصل فطرته التي فُطِرَ عليها، وخُلِقَ من أجلها، وأية خطوة من الجميل في الابتعاد عمّا فُطِرَ عليه يفقده شيئًا قليلًا أو كثيرًا من جماله، وعلى قدر ما يخطوه من خطوات في الاتجاه المعاكس، ينقص من جماله، ويقبح من صورته.
والقبح في الشيء إنما هو حصيلة ما يعلق به من زوائد غريبة مقطوعة الصلة بفطرته، فتعوقه عن ممارسة وظيفته الفطرية التي خلق لها، فيفقد معنى خلقه، ومغزى وجوده. فالعبودية لله تعالى كما هي جلال فهي كذلك جمال، لأنها فطرة الله التي فطر عليها البشر: (وما خلقتُ الجِنَّ والأنسَ إلاَّ ليعبدون) أولًا، ولأنها - ثانيًا - استعلاء على كافة العبوديات الانحرافية الهابطة، ابتداءً من عبادة النفس والعقل والهوى وانتهاءً بعبادة الشمس والقمر والشجر والحجر، الى غير ذلك من العبوديات المنحرفة عن الأصل الفطري الذي فُطِرَ عليه الإنسان. والتي كانت - أي هذه العبوديات - وما زالت أعشاش الآم وأحزان، وبيادر للأوجاع يقتات عليها الوثنيون في كل مكان.
وإلى هذا الجلال والجمال يشير"النورسي"قائلًا:
"اعلم! إن اكثر مظاهر الجلال تجلي الأسماء على الكل والكليات والأنواع والجماعات. والجود المطلق في النوع من تجلي الجلال. وان أغلب مرايا الجمال المتجلي، نقوشُ جزئيات الموجودات، وجمال أشخاصها مع تزايد الحسن، وجلاء المرآتية بتلاحق الأمثال في تكثير الأفراد، والإتقان والانتظام الأجمل في شخصٍ شخص من تجلي الجمال.. وكذا يظهر الجلال من تجلي الواحدية ؛ ويظهر الجمال من تجلي الأحدية. وقد يتجلى الجمال من الجلال كما يتجلى الجلال من الجمال.. فما اجمل الجلالَ في عين الجمال، وما اجمل الجمال في عين الجلال!." (1)
ـ 14 ـ
(1) المثنوي العربي النوري ص 344-345