ويقول:"ولا يمكن حُسنٌ لانهاية له، بلا طلبٍ ذي الحسن، ومحبته لمشاهدة محاسن جماله ولطائف حسنه في مرآة، وبلا إرادته لإشهاد أنظار المستحسنين عليه وإراءته لهم بواسطة عبد حبيب يتحبب إليه، ورسول يحببه إلى الناس." (1) أي: إن لم يطلب صاحب حُسن إظهار حسنه، وليست هناك مرآة تعكس ذلك الحسن، ولم يقم أحدٌ بتعريفه، فسيبقى ذلك الحسن مخفيًا، أي لابد من رسول يعكس بعبوديته الكاملة - كالمرآة - محاسن ذلك الجمال ويبينه برسالته للخلق أجمعين..
فكلما عَظُمَتْ عبودية العبد، عظمت معها روحه، وسَمَتْ نفسه، ورهف وجدانه، وثَقُفَ عقله، وَطَهُرَ"أناهُ"من نوازعه، ونفض عن نفسه من الزوائد والشوائب ما لا صلة له بجوهر روحه، وأصل وجوده، فإذا ارتقى العبد في عبوديته هذا الارتقاء أحبّه الربّ المعبود، وإذا أحبّه، أحبّه الكون كله، ووالته الموجودات، وتعاطفت معه الخلائق، وصارت روحه مرآةً كبرى تعكس من صور تجليات محبّة ربّه ما تعكس، وَغَدا طاقةً مؤثرةً في الأشياء من حوله، فإذا نظر، نظرَ بعين الله، وإذا سمع، سمع بسمع الله، وإذا بطش، بطش بيد الله، وإذا أراد أرادَ الله معه، وإذا أعرضَ، أعرضَ معه، وإذا عاداه أحد قَصَمَهُ. فأيّ جلال أعظم من هذا الجلال الذي تُسْبغُهُ العبوديةُ على صاحبها، وأيّ جمال ترفل به روحه يمكن أن يضاهيه جمال، فَلمسة من لمساته تبعث الحياة في الروح الثقيلة، وكلمة من كلماته منظار نبصر من خلاله صميم حالنا الروحي، وقلبه الجائش كالتنور يفور ويتأجج بأعظم المعارف، والحقيقة عنده حية لا تموت لأنها تستمدّ الحياة من الحي الذي لا يموت. فهو الحقّ من حيثما جئته، وهو الصدق من حيثما قصدته، الآذان جائعة إلى كلامه. والقلوب ظمأى إلى فيوضات فؤاده.
(1) المثنوي العربي النوري ص87