وهنا يكمن سرُّ اختياره عليه الصلاة والسلام لنبوّة العبودية، على نبّوة الملوكية عندما خُيّرَ بينهما، لما في العبودية من شرف الكرامة عند الله تعالى، ولما فيها من أسرار القرب من الربّ المعبود، ولأنه عليه الصلاة والسلام جرّبَ وذاق وعَرَفَ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) (1) أو كما قال. ففي السجود يتلاشى الوجود، ويذوب المعمور، ولا يبقى سوى ربٍّ ومربوبٍ، فيتردد في الروح صدى ذلك النداء الإلهي البعيد ليذكرها بالعهد الذي قَطَعَتْهُ على نفسها. وبالميثاق الذي أقرّت به. والتزمت به وهي بعدُ في ملكوت التجريد. و"النورسي"يؤكد هذا المعنى حيث يقول:
"كما لا يمكن وجود الشمس بلا نشر ضياء..كذلك لا يمكن جمال في نهاية الكمال بلا تبارز وبلا تعرُّف بواسطة رسول معرِّف.."أي لا يمكن أنْ يبقى جمال هو في نهاية الكمال مخفيًا دون ظهور وتعريف، ولا يتمُّ ذلك إلاّ بواسطة رسول يُعَرّفُهُ.. ويقول كذلك:"ولا يمكن سلطنة ربوبية عامة، بلا عبودية كلية، بإعلان وحدانيته وصمديته في طبقات الكثرة بواسطة مبعوث ذي الجناحين.."أي: إن عظمة الربوبية لابد أن تقابل بعبودية كلية تليق بها، ولا يقوم بمثل هذه العبودية إلاّ مبعوث يملك الرسالة والولاية معًا، فيعلن الوحدانية والصمدانية على الخلق أجمعين..
(1) أخرجه مسلم برقم 482 وأبو داود برقم 875 والنسائي 2/226 عن أبي هريرة رضي الله عنه.