الصفحة 953 من 3036

لا يليق بالربوبية المطلقة إلاّ عبودية مطلقة، فعظمة الربوبية لكي تتجّلى بأسمى ما يكون التجلي، وتتراءى للخلائق بأوضح ما تكون الرؤية، لا بد لها أن تلتقي عبودية عظيمة، فيها من العظمة والسكينة والكمال والاستغناء بالنفس ما يؤهلها لاستقبال تجليات الربوبية وعكسها على العالمين. فالعبودية المطلقة في شخصية محمد - صلى الله عليه وسلم - هي اللائقة لتكون مرآةً للربوبية المطلقة.

فبين عظمة الربوبية وعظمة العبدية صلة ونسب، بعيدان موغلان في قديم الخلاّقية الأولى حين تجلّى الربُّ سبحانه وتعالى على أرواح عبيده في ملكوت التجريد وسألهم: (ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى) ففي إقرارهم بمربوبيتهم للربّ المقدّس المعبود، نالتْ العبودية - منذ ذلك الوقت - بارقة من بوارق الجلال، وقبستْ قبسةً من عظمة أنوار عظمة صاحب العظمة والكبرياء، فهذه العبودية ليست محقًا للذات. ولا سحقًا للروح، بل توكيدًا للذات، وإعظامًا للروح، لأنهما مَدارُ المُسَاءلةِ والتكليف، سواء في ملكوت التجريد، أو في عالم التجسيد. (1)

(1) يقول النورسي في تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) ( البقرة: 26) : فلأن النقض لغةً تفريق خيوط الحبل وتمزيقها إشارة إلى أسلوب عال،كأن عهده تعالى حبل نوراني فتل بالحكمة والعناية والمشيئة فامتد من الأزل إلى أن اتصل بالأبد. فتجلى في الكائنات بصورة النظام العمومي وأرسلت تلك السلسلة سلاسلها إلى الأنواع وامتدّ أَعْجُبُها إلى نوع البشر فأورثت وأثمرت في روح البشر بذور استعدادات وقابليات تسقى وتتزاهر بالجزء الاختياريّ المعدَّل بالأمر التشريعيّ، أي الدلائل النقلية. فوفاء العهد صرف الاستعدادات فيما وضعت له؛ ونقض العهد خلافه وتفريقه". إشارات الإعجاز - ص: 212"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت