الصفحة 951 من 3036

فالوحدة والتوحيد سنّة كونية تدفع بالأشياء من الجزئية الى الكلية، ومن الشتيت المتفرق إلى الواحد المتجمع، وتسعى الى رتقِ ما يتفتّق، وتركيب ما يتفكّك، حتى أن القرآن الكريم يشير إلى هذه السنة الكونية الإلهية فيقول: (ما خلقكم ولا بعثكم إلاّ كنفسٍ واحدة) (لقمان:28) ويقول: (.. مَنْ قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومَنْ أحياها فكأنما أحياء الناس جميعًا) (المائدة: 32) . فالبشرية بأجيالها المتعاقبة منذ آدم عليه السلام والى أن تقوم الساعة مختزلة في أي فرد من أفرادها، فقتل هذا الفرد من غير وجه حق كأنه قتل للبشرية بأسرها، وإحياؤه أي مساعدته على حفظ حياته كأنه إحياء للبشرية كلّها، وهذا الفرد وسرّ كينونته منطوٍ في أصغر خلاياه، كما أنّ أعظم طاقات الكون مخفية في الذرة الواحدة من ذراته. والعلوم- على سعتها- مختزلة اليوم في معادلات وشفرات ورموز حيث يمكن حفظها وخزنها في ذاكرة الحافظات الإلكترونية لكي يتسنى العودة إليها إذا ما دُمِّرتْ الحضارة القائمة لأي سبب من الأسباب ليستأنف الإنسان مسيرة الحضارة من جديد من النقطة التي توقفت عندها.

يتبين لنا من هذا الذي عرضناه آنفًا أن الفطرة التي فطر الله تعالى عليها العالم تقود الجميع بصمت وخفاء نحو الوحدة والتوحد، والانتقال من التعددية إلى الواحدية، ومن الشتات والتفرق الى التجمع والتوحد، وأن واحديته- جلّ شأنه- وأحديته قد تركت بصمتها وختمها على الكون والحياة والإنسان.

وعن مرآة"التوحيد"هذه يحدثنا"النورسي"قائلًا:

"نعم، إن الجمال الإلهي وكماله الذي لايحد، والحسن الرباني ومحاسنه التي لانهاية لها، والبهاء الرحماني وآلاءه التي لا تعد ولا تحصى، والكمال الصمداني وجماله الذي لا منتهى له، لا يشاهد إلاّ في مرآة التوحيد؛ بوساطة التوحيد ونور تجليات الأسماء الإلهية المتمركزة في ملامح الجزئيات الموجودة في أقصى نهايات شجرة الكائنات."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت