فكذلك (ولله المثل الأعلى) فان الصفات الجمالية والكمالية وصفات القدرة التي يدور غالب أفكار"المثنوي"وخواطره حولها، هذه الصفات التي وصف الله - جلّ شأنه - بها نفسه ومنها: (الخالق، البارئ، المصور، الرحمن، الرحيم، اللطيف، الودود، الرزاق، الكريم، القادر، العليم..) إلى آخر هذه الصفات لا بد لها من التجلي بمعانيها الجمالية والكمالية في الخلق والإيجاد، وان ترتسم صورتها في مرآة العالم والوجود، وتنسكب بمحاسنها وألوانها على صور الكائنات والموجودات، ليراها مَنْ وصف نفسه بـ:"أحسن الخالقين"، وليريها للإنسان في خفايا نفسه، وفيما يحيط به من موجودات. فيرى - هذا الإنسان - ويتأمل ويعتبر، ويشهد ويشغف، ويعجب ويشدَه، ثم لا يقف عند هذا بل يمر سريعًا من الرسم إلى الرّسام، ومن النقش إلى النقاش، ومن الظل إلى الأصل، وبذلك - أي بهذا الانتقال السريع - يصبح الإنسان جديرًا بالفهم عن الله سبحانه وتعالى، الذي قدّر ان يكون محط عنايته، وخليفته في أرضه.. وهي بلا شك ستبلغ - أي هذه الصفات الجمالية والكمالية - مداها الأعظم والأشمل والأوفى من الجمال والكمال في حياة الإنسان الأخرى، وعمره الثاني في كنف الرحمن وفي جنته التي هي أروع لوحاته جمالًا وحسنًا وكمالًا وقدرة.." (1) "
ـ 12 ـ
والمرايا العاكسة التي تعكس كلُّ واحدة منها - بحسب حجمها وعلى قدر صقالتها وشدة نقائها- بعضًا من أنوار تجليات الأسماء الإلهية الحسنى. فأن هذه المرايا إذا ما نُظِرَ إليها بمنظار"التوحيد"عُرِفَ أنّ مصدر نورها واحد، ومنبعه واحد، فيجتمع بهذا النظر شتاتها، وتتوحد اجزاؤها، ويلتحم بعضها ببعض، وتصير- بسّر التوحيد- مرآة واحدة كبرى تعكس وحدة النور، وأحدية المنَّور.
(1) المثنوي العربي النوري ص 15-18