الصفحة 945 من 3036

ثم يمضي النورسي متحدثًا عن أنوار الإلهامات، فيقول:"إن ابسطها وأكثرها جزئية هي إلهام الحيوانات، ثم إلهام عوام الناس، ثم إلهام عوام الملائكة، ثم إلهام الأولياء، ثم إلهام كبار الملائكة."

ومن هذا السر نرى أن وليًا يقول:"حدّثنى قلبي عن ربي"أي: بهاتف قلبه. ومن دون وساطة مَلَك، فهو لا يقول: حدّثني رب العالمين. أو نراه يقول: إن قلبي عرشٌ ومرآة عاكسة لتجليات ربي. ولا يقول: عرش رب العالمين؛ لأنه يمكن أن ينال حظًا من الخطاب الرباني وفق استعداداته وحسب درجة قابلياته وبنسبة رفع ما يقارب سبعين ألف حجاب." (1) "

فرغم أن الإنسان مخلوق فانٍ إلاّ أنه يحمل في فطرته بذرةً للخلود وينطوي على نازع قوي ينزع به نحو البقاء والأبد، فالخالق جلَّ وعلا خلق هذا الإنسان لنفسه، وصنعه على عينه، وأوجده ليعرفه، ومنحه شرفَ أن يكون أجمعَ مرآة تعكس أنوار أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وأودعه بعضًا من أسمائه وصفاته بشكل نسبي ومحدود لكي يقيس ما عنده من نسبيات هذه الصفات ومحدودياتها على مطلقاتها التي لا يحدها حدّ عنده تعالى.

ومن أجل هذه المهمة المقدسة - مهمة كون الإنسان مرآة عاكسة لتجليات أسمائه تعالى وصفاته - بعث الله الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنزل الكتب، ليّذكَّروا الإنسان إذا ما نسي بأصل رسالته، والغاية من خلقه، والمغزى من وجوده، وليحثوه على تعهد نفسه - باعتبارها المرآتية - بالصقالة، وبدفع الصدأ عنها وإزالة الكدورة منها، وأن يحافظ عليها نقيةً من كل شائبة، طاهرة من كل دنس، وأن يزكيها ويرقي بها ليسلمها لخالقها - إذا جاء الأجل - كما أودعه إياها أولَ خلقهِ طاهرةً مطهرةً، وادعةً مطمئنةً.

(1) الكلمات ص 147-148

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت