الصفحة 944 من 3036

نعم، كما أن كل إنسان يملك استعدادا غير محدود من المحبة تجاه ذلك الخالق ذي الجلال، كذلك الخالق سبحانه هو أهل ليكون محبوبا، لأجل جماله وكماله وإحسانه اكثر من أي أحد كان، حتى ان ما في قلب الإنسان المؤمن من أنواع المحبة ودرجاتها للذين يرتبط بهم بعلاقات معينة، ولاسيما ما في قلبه من حب تجاه حياته وبقائه، وتجاه وجوده ودنياه، وتجاه نفسه والموجودات بأسرها، إنما هي ترشحات من تلك الاستعدادات للمحبة الإلهية. بل حتى أشكال الاحساسات العميقة - عند الإنسان- ما هي الا تحولات لذلك الاستعداد، وما هي إلاّ رشحاته التي اتخذت أشكالا مختلفة." (1) "

فالمتحابان من البشر إذا كانا صادقين في حبهما، مخلصين في ودّهما، فتح أحدهما للآخر أعماق روحه، وكشف أحدهما للآخر عن سريرته، وأودع أحدهما الآخر خويصة نفسه، وأَمِنَهُ على حبّات فؤاده. ولا مشاحة في المثال - ولله المثل الأعلى والأقدس - فإنّ ربَّ العزة إذا رأى من عبده المؤمن صدق المحبة، وخلوص النيّة، وتذلل العبودية، والتمرغ بتراب الأعتاب، والوقوف بالمسكنة طويلًا على الباب، فإنه تعالى يتوجه إليه، ويلتفت نحوه، وعلى عرش قلبه تتنزل أنواره، وفي سماء روحه تسطع أسماؤه. فيمتلئ قلبه بالمعارف، وتفيض روحه بالعلوم، فيلحق بالأبرار، وينزل ديوان المقربين، كلُّ ذلك مع التزام الأدب، ومعرفة الحدّ، وعدم مجاوزة القَدرْ، والعلم بأن شأنه مع هذه التجليات شأنَ"رجل يمسك مرآة تجاه الشمس، فالمرآة تلتقط - حسب سعتها - نورًا وضياء يحمل الألوان السبعة في الشمس. فيكون الرجل ذا علاقة مع الشمس بنسبة تلك المرآة، ويمكنه أن يستفيد منها فيما إذا وجهها إلى غرفته المظلمة، أو إلى مشتله الخاص الصغير المسقف، بيد أن استفادته من الضوء تنحصر بمقدار قابلية المرآة على ما تعكسه من نور الشمس وليست بمقدار عِظمَ الشمس." (2)

(1) اللمعات ص90-92

(2) الكلمات ص146

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت