أما المؤمنون فقد أدركوا وعرفوا وذاقوا ورضوا واطمأنوا، وأما غير المؤمنين من الملل الأخرى فقد أكلتْ نار الإسلام الكثير من حطب أوهامهم وظنونهم ومزاعمهم، وساقتهم إلى حافّات الحق الأولى حتى لم يبقَ بينهم وبين أن يعرفوه إلاّ خطوات قليلة إنْ يكونوا قد وقفوا عندها اليوم فقد يجتازوها في يوم ما كما قد اجتازها فعلًا بعض الأذكياء منهم على مدار الأيام.
ـ 9 ـ
فكلما داهم البشرية صقيع حضاري يجمّد نبض الروح، ويَئدُ حياة القلب عادت مضطرةً لتستدفئ وتستضئ بالنور العظيم المنبعث من أرواح الأنبياء عليهم السلام، فتجد عندهم المأوى الدافئ الذي تؤي إليه، وتلوذ به، وتذيب في كنفهم ما تجمد من حياة الروح والوجدان، ولن ترى البشرية أعظم من روح محمد عليه الصلاة والسلام بين أرواح الأنبياء، ولا مأوى اليها أفخم من مأواه، ولا نورًا أشدّ ألقًا وأنفذ إلى مخ الروح وعصب القلب من نوره، فذاته الشريفة نور النور، لأنّ النور الأعظم والأقدس وهو (القرآن) قد تجوهر في هذه الذات، وصار جزءً لا يتجزأ منها، فَحُقَّ لعائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها حين سئلت عن خلق رسول الله أن تقول: ( كان خلقه القرآن) فصار من أجل هذا الخّلقْ والخُلق القرآني حبيب ربّ العالمين، لأنّ لا أحد غيره استطاع أن يعكس جمالَ أنوار تجليات أسمائه الحسنى على مرايا القلوب كما فعل فأشعل بذلك في قلوب المؤمنين جذوة عشق تذيب الحشا وتقتات على الأفئدة. فالتفتَ إليهم ربُّ العزة، ونظر إليهم نظرة رحمة وإشفاق وخاطبهم على لسان رسوله: (قل إنْ كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فرسولي هو البوابة التي من خلالها يصلني حبكم، فمحبته واتباعه والتعلق بسنته هو طريقكم الموصل اليَّ.
و"النورسي"يلقي المزيد من التفسير على هذه الآية الكريمة فيقول:
قال تعالى: (قُلْ إنْ كُنتُم تُحبّون الله فاتّبعوني يُحْببكُم الله) .