الصفحة 939 من 3036

فكما أنّ رائي الرؤيا يعجز عن تعبير رؤياه بنفسه فيلجأ إلى معبرّ يكشف له عن مغزاها ومعناها والرمز الذي ترمز إليه، فكذلك العارف يخطئ حين يضاهي ما رآه في عالم المثال على شاكلته من عالم الواقع، وأكثر الأخطاء المروية عن بعض العارفين، والأقوال والأحكام المنسوبة إليهم والتي يبدو أنها مجانبة لحقائق عالم الشهادة المعروفة والملموسة. منشؤها مزج رؤاهم في عالم المثال بأشباهها من عالم الواقع دون اعتبار لاختلافهما من حيث السَعَة والامتداد في عالم المثال قبالة الضيق والانكفاء في عالم الشهادة، فتحدث لذلك المفارقة، وتنشأ المناقضة. والنورسي يقرب لنا هذا المعنى بمثال مبينًا أسباب الخطأ الذي يقع فيه بعض العارفين، فيقول:

"هب أن لك غرفة ضيقة، وضعت في جدرانها الأربعة مرايا كبيرة، تغطي كل مرآة الجدار كله، فعندما تدخل غرفتك ترى ان الغرفة الضيقة قد اتسعت وأصبحت كالساحة الفسيحة، فإذا قلت: إنني أرى غرفتي كساحة واسعة.. فانك لا شك صادق في قولك."

ولكن إذا حكمت وقلت: غرفتي واسعة سعة الساحة فعلًا.. فقد أخطأت في حكمك، لأنك قد مزجت عالم المثال - وهو هنا عالم المرايا - بعالم الواقع والحقيقة، وهو هنا عالم غرفتك كما هي فعلًا."ويخلص النورسي إلى القول بـ:"أن درجة الشهود أوطأ بكثير من درجة الإيمان بالغيب. أي أن الكشفيات التي لا ضوابط لها لقسم من الأولياء المستندين إلى شهودهم فقط، لا تبلغ أحكام الأصفياء والمحققين من ورثة الأنبياء الذين لا يستندون إلى الشهود بل إلى القرآن والوحي، فيصدرون أحكامهم حول الحقائق الإيمانية السديدة. فهي حقائق غيبية الا انها صافية لا شائبة فيها. وهي محددة بضوابط، وموزونة بموازين.

اذن فميزان جميع الأحوال الروحية والكشفيات والأذواق والمشاهدات إنما هو: دساتير الكتاب والسنة السامية، وقوانين الأصفياء والمحققين الحدسية". (1) "

ـ 8 ـ

(1) المكتوبات ص103-105

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت