الصفحة 938 من 3036

والعارف روح هائم ينتقل بين مختلف العوالم وذلك بحسب ما يعتريه من أحوال، وما يتجاذبه من جواذب هذا العالم أو ذاك. ففي الوقت الذي يبدو فيه وكأنه إنسان عادي في واقعه الذي يساكنه إذا به فجأةً وبدون سابق علم وبخطوة واحدة يكون في عالم المثال الزخّار بأرواح صور الموجودات وبمعانيها ورموزها ودلالاتها،"إذْ ما من شئ في عالم الملك والشهادة إلا وهو مثال لأمر روحاني من عالم الملكوت كأنه هو في روحه ومعناه، وليس هو هو في صورته وقالبه" (1) كما يقول الغزالي، وحيث يصغي إلى أصداء ما يحتدم على الأرض من أحدث، وما ينشأ فيها من صراع الإرادات.

فعالم المثال عالم وسط بين عالمي الملك والملكوت، أو هو كسور الأعراف ظاهره رؤى وخيالات، وباطنه حقائق ووقائع، وقد تختلط في روح العارف هذه الرؤى بتلك الحقائق، فإذا أراد أن يخبر عنها قال كلامًا نصفه حق ونصفه الآخر خيال ورؤى. فيبدو وكأنه يتجنّى على الحقائق، ويجانب المشاهد والمحسوس في عالم الواقع.

فرؤيا العارف قد تكون بحد ذاتها صادقة وحق إلا أنها تحتاج إلى المعبر الذي يحسن تعبيرها، ويخطئ العارف إذا ما حاول هو أن يعبر رؤياه بنفسه"فانظروا إلى ما ينكشف للنائم في نومه من الرؤيا الصحيحة التي هي جزء من أربعين جزءً من النبوة، وكيف ينكشف بأمثلة خيالية: فمن يعلّم الحكمة غير أهلها يرى في المنام أنه يعلق الدرر على الخنازير…" (2)

(1) الغزالي / جواهر القرآن ص 28 دار الآفاق الجديدة/ بيروت/ 1978/ الطبعة الثالثة

(2) المصدر نفسه ص29

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت