فالمعرفة العلمية هي معرفة روحية بمعنى من المعاني إذا ما رجعنا بها إلى باكورة بواعثها، والمعرفة القلبية هي انعكاسات روحية في بواعثها الأولى. فالعقل والقلب يظلان هامدين خامدين مظلمين ما لم يشرق في سمائهما نور عظيم من روح عظيم: ( ومَنْ لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) .
ـ 7 ـ
والعارف لانفتاح منافذ الروح منه قد يرى من الخفايا ما لا نرى، ويسمع من الهواتف مالا نسمع، ويحسُّ من غرائب الوجود ما لا نحسّ وينعكس على مرآة قلبه من صور الخواطر والإلهامات مالا ينعكس على مرايا قلوبنا.
وجدير بمَنْ هذا شأنه أن يدرك أبعدَ الحقائق منَازِلَ، وأكثفها حجبًا، وأقصاها انتباذًا، وأن ينظر أعمق مما ينظر التاريخ، وأوسع مما تنظر إليه جغرافية الأرض والسماء. وأنفذ عمقًا ممّا تنفذ إليه مسابير الخلائق، ومن باب التذكير أقول: إنّ من الخطأ اعتبار ما لا تراه العيون، وتسمعه الآذان، وتحسّه الأبدان، ويشعر به الوجدان غيبًا من الغيوب المستأثر بعلمها علاّم الغيوب وحده جلَّ شأنه، فهي ليست غيوبًا - بالمصطلح الشرعي - وإنما هي جواهر نفيسة ولآلئ ودّرر ثمينة، صينت بهذه الحجب والستور. وأُغلِقتْ من دونها أبواب الخدور، حفظًا لها وغيرةً عليها من الابتذال والوقوع بيد منْ لا يفرق بين الدّر والحجر، ويستوي عنده التبر والتراب، حتى إذا طالها مَنْ يتعب فيها. ويجهدْ من أجلها، ويسعى مشوقًا إليها، ويبذل روحه مهرًا لها، كشفت له عن نفسها الستور. ومزّقت من دونه الخدور، وزال المحذور، وقالت: ها أناذي فدونك إياي، خذني مني إليك، واجمعني عليك، وضمني إلى مناجم معارفك، فأنت بي جدير وعلى مهري قدير.