إنَّ ذكاءً متعبًا منهوكًا قد أنهكته اللذات، وأطفأت جذوته أدخنة الشهوات، وإنّ قلبًا مثقلًا بالهابط المبتذل من الدنيويات، ومزدحمًا بشتى صور الحسيّات، لا جرم يغدو غير قادر على تملي صور الجمال، بل تصبح هذه الصور مصدر عذاب له، وحافزَ إثارة لكوامن القلق والأسى في روحه، فيودّ لو يخفي نفسه تحت كثيب من الرمل - كما تفعل النعامة - هربًا من مسؤولية الرؤية والمعرفة وثقل الأمانة المناطة بها..! ولكن هيهات فهذه الصور لا تنفك عن ملاحقته ومحاصرته والبحث عن كوة مهما كانت ضيقة لتنفذ منها إلى دواخله، وتضيء ولو قبسة ضئيلة من نور في ظلامه الحالك، وهذه القبسة هي"التوبة"المطلوبة والمؤمَّلة من كل الناكبين عن طريق الهداية، والمغمضين أعينهم عن مرايا الجمال الإلهي وكماله، وهذه المرايا هي المصنوعات التي تمتلئ بها السموات والأرض، حتى لتكاد تنحصر وظيفة هذه المصنوعات في كونها مرايا تعكس للناظر أنوار الجمال الإلهي المقدس، وأنوار كماله.
يجيب"النورسي"وكأنه قد سئل عن الغاية من الخلق والصنع الإلهيين - قائلًا:"إن أهم غاية للمصنوع هي النظر إلى صانعه الجليل، أي يعرض المصنوع كمالات صنعة صانعه، ونقوش أسمائه الحسنى ومرصعات حكمته القيمة وهدايا رحمته الواسعة أمام نظره سبحانه ويكون مرآة لجماله وكماله جل وعلا. هكذا فهمت هذه الغاية". (1)
(1) المكتوبات ص 371