الصفحة 89 من 3036

وقد عد الاستبداد بالرأي ونبذ الشورى ظلما كبيرا وشركا خفيا فقال رحمة الله عليه:"اعلم أن من ظلم البشر إعطاء ثمرات مساعي الجماعة لشخص وتوهم صدورها منه، فيتولد من هذا الظلم شرك خفي، إذ توهم صدور محصل كسب الجماعة وأثر جزائهم الاختياري من شخص، لا يمكن إلا بتصور ذلك الشخصي ذا قدرة خارقة ترقت إلى درجة الإيجاد. وما آلهة اليونانيين والوثنيين إلا من تولدات أمثال هذه التصورات الظالمة الشيطانية"ومن يتدبر كلامه هذا يلفيه قد وضع رحمه الله يده على موطن الداء من جسد الأمة الإسلامية في العصور المتأخرة، لما فشا الاستبداد السياسي وغلب الحجر الفكري، وساد التقليد والتعصب الفكري، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، واستئثار كل ذي سلطان بنظره، فتعطلت عقول الأمة وشلت قواها، وسكنت حركة الاجتهاد فيها. ولهذا فإن دواء ذلك - كما ذهب إليه بديع الزمان النورسي- هو ترسيخ ثقافة الحوار وتثبيت الشورى في جميع المجالات ، حتى تتلاقح أفهام المتخصصين، وتتعاون أنظار المجتهدين، وتتقابل أفكار أهل العلم والنظر في الأمة، وعند العمل يتم اختيار ما توافقت عليه أكثر الأنظار وأيدته أغلب الآراء والاجتهادات . وقد اهتم بديع الزمان النورسي خاصة بمجالين اثنين، بحكم خطورتهما ولأن غيرها من المجالات يقوم عليها: مجال العلم والفكر، ومجال الحكم والسياسة، فوضع طرقا عملية صالحة للتنفيذ ، يتم من خلالها إعمال أصل الشورى في هذين المجالين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت