وهذا الضابط هو تمام هذه الضوابط والأسس، لأن جميع هذه الضوابط المتقدمة إنما تمنع التنازع بسبب الاختلاف في النظر، وتقي من خطر العداوة والشقاق، وتحمل المختلفين من أهل الإسلام، في النظر والاجتهاد، على مراعاة بعضهم بعضا، وتحثهم على ضرورة تقسيم الأعمال وصرف الجهود إلى ما تمس الحاجة إليه، واعتبار اجتهادات جميع أهل الإسلام يكمل بعضها بعضا. فهذه الضوابط لا تمنع الخلاف والاختلاف وإنما تجعل الاختلاف ثراء في التفكير ومظهرا لغلبة روح الاجتهاد ونبذ التقليد. ثم يأتي هذا الضابط ليمنح الحياة لهذا الثراء الفكري، لأنه يعين على تحري الصواب ومعرفة الحق والترجيح بين المذاهب والآراء، ويحسم الفوضى الناشئة من تعدد الآراء عندما يتعين الترجيح للشروع في العمل حيث لا يمكن الجمع بين أكثر من مذهب واحد في العمل. وقد قدم الأستاذ النورسي ضابطا عمليا في العصر الحاضر وهو العمل من خلال هيآت ومؤسسات للتشاور في مجال العلم وفي مجال السياسة وتدبير الأحوال العامة للأمة.