فبعد الاجتهاد لمعرفة الحق والصواب والحرص على الاجتماع، فإن تعذر الاجتماع على رأي واحد وجب على المختلفين إعمال أصل مراعاة الخلاف، وهو يقوم على عدم اعتبار المختلف فيه كالمتفق عليه، وأن العالم إذا تكلم فيما يعلم أن له مخالفا فيه فإنه يجري الحكم على صيغة تراعي الطرف المخالف. أي إن عليه أن يتساهل في ما يعتقد صحته مراعاة للطرف المقابل المخالف. وهذا معنى قول النورسي: (( عليك أن تقول الحق في كل ما تقول، ولكن ليس لك أن تذيع كل الحقائق. وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صوابا أن تقول كل صدق. لأن من كان على نية غير خالصة-مثلك- يحتمل أن يثير المقابل بنصائحه فيحصل عكس المراد ) ) (1) . ويدخل في هذا الأصل وجوب حفظ حرمة هذا المخالف في الرأي وعدم تجريحه ووجوب نصرته والتعاون معه فيما يتفق عليه أهل الإسلام. وفي العمل بهذا الأصل كان النورسي يؤازر جميع أهل الإسلام ويتعاون مع من يخالفه في الرأي وفي الوسائل. فقد كان درويش وحدتي من مؤسسي (( الاتحاد المحمدي ) )من أجل مواجهة مظاهر العداء للإسلام التي أقحمت في الحياة في تركيا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين. وقد غلب عليه طابع الشدة والعنف وهو ما كان يعارضه النورسي، ومع ذلك فقد حضر الاجتماع الذي أعلن فيه عن إنشاء"الاتحاد المحمدي"وألقى فيه خطبة في نحو ساعتين حث فيها على التمسك بآداب الإسلام وتناول فيها أهم القضايا التي تثير العناية آنذاك. ولما أصدر"درويش وحدتي"جريدة"وولقان"كان بديع الزمان ينشر فيها مقالاته على رغم مخالفته لدرويش وحدتي ومعارضته لمنهجه، وكان يكتب إليه يبين حججه فيما يخالفه فيه بتوقير واحترام، فكان مما كتب إليه يشرح معارضته لأسلوب العنف والشدة في الكتابة:"إلى أخي الدرويش وحدتي، إن الأدباء يجب أن يتحلوا بالأدب، ولا سيما الإسلامي، وليكن الضمير الديني هو الحارس لنظام"
(1) - (( المكتوبات ) )ص 343.