ومن هذا الأصل أيضا، اعتبار ما حصل للمسلمين في العصر الحاضر من التحول الخطير في أوضاعهم، ذلك إن العلمانية قد ضربت جذورها وأصبح الزعماء والقادة يحمونها، فوجد بسبب ذلك انحراف داخلي هو وجود طائفة العلمانيين داخل بلاد المسلمين من أبناء الإسلام، فكانت هذه جبهة داخلية يجب على أهل الحق التصدي لها بالتصحيح والتقويم، لكنها جبهة ليست كغيرها، لأن أصحابها منتسبون إلي الإسلام ويعدون من أهله ويقيمون في ديار المسلمين وهم من آبائهم وأبنائهم وأقاربهم. ولهذا فإن الجهاد في هذه الجبهة-في وسائله- ليس مثل الجهاد على الجبهة الخارجية، فالأول جهاد معنوي يكون بالتربية والبناء الفكري والروحي، أما إذا استعمل فيه الجهاد المادي بالسلاح فانه يؤدي إلي قتل آباء المسلمين وأبنائهم في بلادهم وديارهم، وفي ذلك من الفتنة ما لا يخفى على العاقل، أضعفها زرع الشقاق بين أهل الإسلام. ويبين النورسي وجه ذلك بقوله: (( أجل يستوجب مجابهة الهجمات الخارجية بالقوة أن أموال العدو وذراريه يكون بمثابة غنيمة للمسلمين، أما في الداخل فالأمر ليس هكذا، ففي الداخل ينبغي الوقوف أمام التخريبات المعنوية بشكل إيجابي بناء، بالإخلاص التام . إن الجهاد في الخارج يختلف عما هو في الداخل… فنحن نقوم بالعمل الإيجابي البناء بكل ما نملك من قوة في سبيل تأمين الأمن الداخلي. فالفرق عظيم بين الجهاد الداخلي والخارجي في العصر الحاضر ) ) (1) . ولهذا كان يعارض بعض الجماعات التي أنشئت في عصره للجهاد المادي ضد الدولة التي تبنت العلمانية، وكان يحضها على وحدة الصف وتجنب الفرقة واتقاء الحركات والأعمال التي تكون سببا في شق صف المسلمين واتساع جرحهم (2) . وكان جوابه على إحدى الحركات التي أثارت الأكراد على الدولة: (( نحن الأكراد مسلمون والأتراك إخواننا فلا تجعلوا الأخ يقاتل أخاه، فهذا لا
(1) - (( سيرة ذاتية ) )ص 470.
(2) - انظر (( سعيد النورسي ) )لأورخان محمد علي. ص 44-45.